وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «يحشر الناس ثلاثة أصناف، ثلاث ركبان وثلاث على أقدامهم مشاة، وثلاثة على وجوههم» إلا أنه قال بعد هذا: قلنا يا رسول الله: فكيف يمشون على وجوههم، فقال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، إلا أنهم يتقون بوجوههم خدد وشوك» وهذا إن ثبت مرفوعًا، ففيه أن الناس يكونون أثلاثًا، ومعنى أصناف ثلاثة إلا أنهم أثلاث متساوية: أحدهم الركبان وهم المتقون السابقون الذين يغفر الله تعالى لهم ذنوبهم بعد الحساب، ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة.
والصنف الثاني الذين يعذبهم الله تعالى بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى الجنة وهؤلاء يكون مشاة على أقدامهم، فقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتًا ويكونون ركبانًا.
فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان والله أعلم.
والصنف الثالث المشاة على وجوههم، وهؤلاء هم الكفار، وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف وكلهم ركبان لكن على من أتت لهم.
وصنفان من الكفار: أحدهما العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، وآخرون الأتباع وهم يمشون على أقدامهم.
وقد ذكرت فيما مضى أن مشي الكفار على وجوههم إنما يليق أن تكون حالهم في سبقهم من موقف الحساب إلى جهنم، لأن الله تعالى قال: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} لأن الله تعالى خص أبصارهم فوصوفها منهم بالخشوع في حال المعنى إلى موقف الحساب.
فقال: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} .
وقال: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} .
فلو كانوا في هذه الحال مشاة على وجوههم لم يكن الخشوع من أبصارهم وحدها.
وفيما ذكرت دليل على أن المشي من القبر إلى موقف الحساب فيكون على الأقدام.
ومن المواقف إلى جهنم تكون على الوجوه.
ويؤكد هذا أن الله - عز وجل - قال فيما وصفهم به: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} .
فلو كان ذلك حالًا بهم من حين يبعثون إلى أن يدخلوا جهنم لم يكن لتخصيص حال دخولهم النار.
فهذا الوصف معني، إلا أن هذا، وإن كان كما وصفت، فإن حديث أبي هريرة الثاني رويناه، يدل على خلافه، فقد يحتمل أن يخرج ذلك على أن الكفار بعضهم أغنى من بعض لأن منهم من جحد ربه أصلًا، ومنهم من جحد رسله كلهم، ومنهم من أقر بهم إلا بواحد منهم، ولا شك أنهم متفاوتون في العذاب، ولولا ذلك لم يقل الله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} فلما قال: علمنا أن للنار دركات، كما أن للجنة درجات.