ليحيى بن معاذ بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته فلا ينقص ذلك جفاؤه ولا يزيده بره
وفي ذلك ما فيه فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر ولا تنقصها زيادتها بالبر وليس ذلك بعلة ولكن مراد يحيى أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية فإذا جاء البر من محبوبه لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر بل تلك المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب ومع هذا فلا يزيل الوهم فإن المحبة لا نهاية لها وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة ولا نهاية لجمال المحبوب ولا بره فلا نهاية لمحبته بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على قلب رجل واحد منهم كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله ولهذا لا تسمى محبة العبد لربه عشقا كما سيأتي لأنه إفراط المحبة والعبد لا يصل في محبة الله إلى حد الإفراط البتة والله أعلم
التاسع والعشرون المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا وذلك له مبذولا
الثلاثون وهو من أجمع ما قيل فيها قال أبو بكر الكتاني جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كأس وده وانكشف له الجبار من أستار غيبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو بالله ولله ومع الله
فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جزاك الله يا تاج العارفين