فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 1567

وأيضا فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه فيطفح عليه السرور حتى يغيب بنعمته عنه وهنا يكون المكر إليه أقرب من اليد للفم

ولله كم ها هنا من مسترد منه ما وهب له عزة وحكمة وربما كان ذلك رحمة به إذ لو استمر على تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان كما قال تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فإذا كان هذا غنى بالحطام الفاني فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكثر فصاحب هذا إن لم يصحبه حذر المكر خيف عليه أن يسلبه وينحط عنه

والمكر الذي يخاف عليه منه أن يغيب الله سبحانه عنه شهود أوليته في ذلك ومنته وفضله وأنه محض منته عليه وأنه به وحده ومنه وحده فيغيب عن شهود حقيقة قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وقوله قل إن الأمر كله لله وقوله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وقوله وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك وقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وأمثال ذلك فيغيبه عن شهود ذلك ويحيله على معرفته في كسبه وطلبه فيحيله على نفسه التي لها الفقر بالذات ويحجبه عن الحوالة على المليء الوفي الذي له الغنى التام كله بالذات فهذا من أعظم أسباب المكر والله المستعان

ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ فلا ينبغي له أن يفارقه هذا الحذر وقد خافه خيار خلقه وصفوته من عباده قال شعيب وقد قال له قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت