وتقريب هذا إلى الفهم أنه إذا شهد استغراق وقته الحاضر في ماهية الزمان فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير جدا من أجزائه وانغمر فيه كما تنغمر القطرة في البحر ثم إن الزمان المحدود الطرفين يستغرق رسمه في وجود الدهر وهو ما بين الأزل والأبد ثم إن الدهر يستغرق رسمه في دوام الرب جل جلاله وذلك الدوام هو صفة الرب فهناك يضمحل الدهر والزمان والوقت ولا يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله البتة فاضمحل الزمان والدهر والوقت في الدوام الإلهي كما تضمحل الأنوار المخلوقة في نوره وكما يضمحل علم الخلق في علمه وقدرهم في قدرته وجمالهم في جماله وكلامهم في كلامه بحيث لا يبقى للمخلوق نسبة ما إلى صفات الرب جل جلاله
والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم ما في الوجود إلا الله أو ما ثم موجود على الحقيقة إلا الله أو هناك يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ونحو ذلك من العبارات فهذا مرادهم لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود كما هو في الوجود وغلب سلطانه على سلطان العلم وكان العلم مغمورا بوارده وفي قوة التمييز ضعف وقد توارى العلم بالشهود وحكم الحال
فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض الأدنى ولا ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه ووقته وزمانه بحيث يصير كأنه لا وجود له
ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود وظنوا أنه ليس لغيره وجود البتة وغرهم كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة من الطائفة فجعلوها عمدة لكفرهم وضلالهم وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم وتصير طريقة الناس واحدة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون