فهرس الكتاب

الصفحة 1232 من 1567

إنما هو من الوحشة التي سببها الاستتار من تلك الوحشة المتولدة من الاستتار وهذا صحيح فإنه لما كان مطلوبه مشاهدا له وحال محبته وأحكامها قائما به كان نصيبه من الأنس على قدر ذلك فإنه لما توارى عنه مطلوبه وأحكام محبته استوحش لذلك فتولد الحزن من تلك الوحشة

وبعد فالحزن يتولد من مفارقة المحبوب ليس له سبب سواه وإن تولد من حصول مكروه فذلك المكروه إنما كان كذلك لما فات به من المحبوب وفلا كان حزن إذا ولا هم ولا غم ولا أذى ولا كرب إلا في مفارقة المحبوب ولهذا كان حزن الفقر والمرض والألم والجهل والخمول والضيق وسوء الحال ونحو ذلك على فراق المحبوب من المال والوجد والعافية والعلم والسعة وحسن الحال ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى مفارقة المشتهيات من أعظم العقوبات فقال تعالى وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب فالفرح والسرور بالظفر بالمحبوب والهم والغم والحزن والأسف بفوات المحبوب فأطيب العيش عيش المحب الواصل إلى محبوبه وأمر العيش عيش من حيل بينه وبين محبوبه

والاستتار المذكور لا يكون إلا بعد كشف وعيان والرب تعالى يستر عنهم ما يستره رحمة بهم ولطفا بضعيفهم إذ لو دام له حال الكشف لمحقه بل رحمة ربه من به أن رده إلى أحكام البشرية ومقتضى الطبيعة

وأيضا ليتزايد طلبه ويقوى شوقه فإنه لو دامت له تلك الحال لألفها واعتادها ولم يقع منه موقع الماء من ذي الغلة الصادي ولا موقع الأمن من الخائف ولا موقع الوصال من المهجور فالرب سبحانه واراها عنه ليكمل فرحه ولذته وسروره بها

وأيضا فليعرفه سبحانه قدر نعمته بما أعطاه وخلع عليه فإنه لما ذاق قرارة الفقد عرف حلاوة الوجود فإن الأشياء تتبين بأضدادها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت