وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة وتحقق في الإشارة فاستحق صحة النسبة
هذه الدرجة التي بدأ بها هي أول درجاته لأن الرجل قد يكون عالما بالشيء ولا يكون متصفا بالتخلق به واستعماله فالعلم شيء والحال شيء آخر فعلم العشق والصحة والشكر والعافية غير حصولها والاتصاف بها فإذا غلب عليه حال تلك المعلومات صار علمه بها كالمغفول عنه وليس بمغفول عنه بل صار الحكم للحال
فإن العبد يعرف الخوف من حيث العلم ولكن إذا اتصف بالخوف وباشر الخوف قلبه غلب عليه حال الخوف والانزعاج واستغرق علمه في حاله فلم يذكر علمه لغلبة حاله عليه
ومن هذه حاله فقد ظفر بالاستقامة لأن العلوم إذا أثمرت الأحوال كانت عنها الاستقامة في الأعمال ووقوعها على وجه الصواب وتحقق صاحبها في الإشارة إلى ما وجده من الأحوال ولم تكن إشارته عن تخمين وظن وحسبان واستحق اسم النسبة في صحة العبودية إلى الرحمن عز و جل لقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقوله وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا الآيات وقوله عينا يشرب بها عباد الله وقوله يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون
والمقصود أن هذا قد انتقل من أحكام العمل وحده إلى أحكام العمل بالحال المصاحب للعلم فهو عامل بالمواجيد الحالية المصحوبة بالعلوم النبوية فإن انفراد العلم عن الحال تعطيل وبطالة وانفراد الحال عن العلم كفر وإلحاد والأكمل أن لا يغيب عن شهود العلم بالحال وإن استغرقه الحال عن شهود العلم مع قيامه بأحكامه لم يضره
قوله وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة أي هو على محجة الطريق القاصد إلى الله الموصل إليه والظفر هو حصول الإنسان على مطلوبه