فهرس الكتاب

الصفحة 1294 من 1567

فالعمل إنما هو على الشواهد وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر

فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها وقلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها وسرعة انقضائها ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها قد بدعت بهم وعذبتهم بأنواع العذاب وأذاقتهم أمر الشراب أضحكتهم قليلا وأبكتهم طويلا سقتهم كؤوس سمها بعد كؤوس خمرها فسكروا بحبها وماتوا بهجرها

فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها ترحل قلبه عنها وسافر في طلب الدار الآخرة وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها وأنها هي الحيوان حقا فأهلها لا يرتحلون منها ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار ومحط الرحال ومنتهى السير وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع وقال بعض التابعين ما الدنيا في الآخرة إلا أقل من ذرة واحدة في جبال الدنيا

ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها وبعد قعرها وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها فيشاهدهم وقد سيقوا إليها سود الوجوه زرق العيون والسلاسل والأغلال في أعناقهم فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفا ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا فأراهم شاهد الإيمان وهم إليها يدفعون وأتى النداء من قبل رب العالمين وقفوهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت