السكر في تلك الحال والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة
وأيضا فمن المعلوم أن هذا الحال يحصل في الجنة عند رؤية الرب تعالى وسماع كلامه على أتم الوجوه ولا يسمى سكرا ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا الاسم وإنما المنكر تسميته بهذا الاسم ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك اسم الشراب أو تسمية المعارف بالخمر والواردات بالكؤوس والله جل جلاله بالساقي فهذه الاستعارات والتسمية هي التي فتحت هذا الباب
وأما قوله وهو من مقامات المحبين خاصة فلا بد من بيان حقيقة السكر وسببه وتولده وهل هو مقدور أو غير مقدور وبيان انقسامه باعتبار ذاته وأسبابه ومحله لتكون الفائدة بذلك أتم
فنقول وبالله التوفيق السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز فلا يعلم صاحبه ما يقول قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول فإذا علم ما يقول خرج عن حد السمر قال الإمام أحمد السكران من لم يعرف ثوبه من ثوب غيره ونعله من نعل غيره ويذكر عن الشافعي أنه قال إذا اختلط كلامه المنظوم وأفشى سره المكتوم
فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز وقاصد السكر قد يقصدهما جميعا وقد يقصد أحدهما فإن النفس لها هوى وشهوات تلتذ بإدراكها والعلم بما في تلك اللذات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها والعقل يأمرها بأن لا تفعل فإذا زال العلم الكاشف المميز والعقل الآمر الناهي انبسطت النفس في هواها وصادفت مجالا واسعا
وحرم الله سبحانه السكر لشيئين ذكرهما في كتابه وهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل وانتفاء المصلحة التي لا تتم