قد اتخذ صاحبة وولدا وتدرع بناسوت ولده واتخذ منه حجابا فكل هذه الآلهة مما عملته أيدي أفكارها وإله العالمين الحق هو الذي دعت إليه الرسل وعرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص لا مثال له ولا شريك ولا ظهير ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم غني بذاته على عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بذاته
قوله وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء يعني أن هذه المعرفة الخاصة تثبت بعلم الجمع ولم يقل بحال الجمع ولا بعينه ولا مقامه فإن علمه أولا هو سبب ثبوتها فإن هذه المعرفة لا تنال إلا بالعلم فهو شرط فيها وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في الجمع عن قريب
فإذا علم العبد انفراد الرب سبحانه بالأزل والبقاء والفعل وعجز من سواه عن القدرة على إيجاد ذرة أو جزء من ذرة وأنه لا وجود له من نفسه فوجوده ليس له ولا به ولا منه وتوالى هذا العلم عن القلب يسقط ذكر غيره سبحانه عن البال والذكر كما سقط غناه وربوبيته وملكه وقدرته فصار الرب سبحانه وحده هو المعبود والمشهود والمذكور كما كان وحده هو الخالق المالك الغني الموجود بنفسه أزلا وأبدا وأما ما سواه فوجوده وتوابع وجوده عارية ليست له وكلما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده صفت هذه المعرفة في قلبه فلهذا قال وتصفو في ميدان الفناء استعار الشيخ للفناء ميدانا وأضافه إليه لاتساع مجاله لأن صاحبه قد انقطع التفاته إلى ضيق الأغيار وانجذبت روحه وقلبه إلى الواحد القهاوألبس فهي تجول في ميدان أوسع من السموات والأرض بعد أن كانت مسجونة في سجون المخلوقات فإذا استمر له عكوف قلبه على الحق سبحانه ونظر قلبه إليه كأنه يراه ورؤية تفرده بالخلق والأمر والنفع والضر