ولا علة فأهل التفرقة وقفوا مع الوسائط وأهل الجمع نفذ بصرهم من الوسائط والأسباب إلى من أقامها وربط بها أحكامها
قوله وأخفى الرضى والسخط الذين هما موضع الوصل والفصل يعني أنه سبحانه أخفى عن عباده ما سبق لهم عنده من سخطه على من سخط عليه ورضاه عمن رضي عنه الموجبين لوصل من وصله وقطع من قطعه
ومراده أن هذا مع السبب الصحيح في نفس الأمر وهو رضاه وسخطه وإنما لبس سبحانه على أهل التفرقة الأمر بما ذكره من الجنايات والطاعات والعلل والحجج ولا سبب في الحقيقة إلا رضاه وسخطه وذلك لا علة له فالرضى هو الذي أوجب المثوبة لا الطاعة والسخط هو الذي أوجب العقوبة لا المعصية والمشيئة هي التي أوجبت الحكم لا الوسائط فأخفى الرب سبحانه ذلك عن خلقه وأظهر لهم أسبابا أخر علقوا بها الأحكام وذلك تلبيس من الحق عليهم فأهل التفرقة وقفوا مع هذا التلبيس وأهل الجمع صعدوا عنه وجاوزوه إلى مصدر الأشياء كلها وموجدها بمشيئته فقط
فبالغ الشيخ في ذلك حتى جعل الرضى والسخط يظهران السعادة والشقاوة ولم يجعل الرضى والسخط مؤثرين فيهما وذلك لأن السعادة والشقاوة سبقت عنده سبقا محضا مستندا إلى محض المشيئة لا علة لهما والرضى والسخط أظهرا ما سبق به التقدير من السعادة والشقاوة فهذا أحسن ما يقال في شرح كلامه وتقريره وحمله على أحسن الوجوه وأجملها
وأما ما فيه من التوحيد وانتهاء الأمور إلى مشيئة الرب جل جلاله وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فذلك عقد نظام الإيمان ومع ذلك فلا يكفي وحده إذ غايته تحقيق توحيد الربوبية الذي لا ينكره عباد الأصنام وإنما الشأن في أمر آخر وراء هذا هذا بابه والمدخل إليه والدليل عليه ومنه يوصل إليه وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب وعليه الثواب