قضاء وحكم لها بد له من حجة يستند إليها فيحجب صاحب التفرقة بتلك الحجة عن المصدر الأول الذي منه ابتداء كل شيء ويقف مع الحجة ولا ينظر إلى من حكم بها وجعلها مظهرا لنفوذ حكمه وقضائه
وكذلك تعليقه الأحكام بالعلل وهي المعاني والمناسبات والحكم والمصالح التي من أجلها ثبتت الأحكام وهو سبحانه واضع تلك المعاني ومضيف الأحكام إليها وإنما هي في الحقيقة مضافة إليه سبحانه
وكذلك ترتيبه الانتقام على الجنايات وربطه الثواب بالطاعات كل ذلك مضاف إليه سبحانه وحده لا إلى الجنايات ولا إلى الطاعات فإضافة ذلك إليها تلبيس على أهل التفرقة وموضع التلبيس في ذلك كله أن أهل التفرقة يظنون أنه لولا تلك الوسائط لما وجدت معرفة ولا وقعت قضية ولا كان حكم ولا ثواب ولا عقاب ولا انتقام وهذا تلبيس عليهم فإن هذه الأمور إنما أوجبها محض مشيئة الله الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل في بساط المشيئة الأزلية واضمحلت في عين الحكم الأزلي وصارت من جملة الكائنات التي هي منفعلة لا فاعلة ومطيعة لا مطاعة ومأمورة لا آمرة وخلق من خلقه لا واسطة بينه وبين خلقه فهي به لا بهم ولهذا عاذالعارفون به منه وهربوا منه إليه والتجأوا منه إليه وفروا منه إليه وتوكلوا به عليه وخافوه بما منه لا من غيره فشهدوا أوليته في كل شيء وتفرده في الصنع وأنه ما ثم ما يوجب من الأشياء إلا مشيئته وحده فمشيئته هي السبب في الحقيقة وما يشاهد أو يعلم من الأسباب فمحل ومجرى لنفوذ المشيئة لا أنه مؤثر وفاعل فالوسائط لا بد أن تنتهي إلى أول لامتناع التسلسل ولهذا قال النبي فمن أعدى الأول والله سبحانه قدر المقادير وكتب الآثار والأعمال والشقاء والسعادة والثواب والعقاب حيث لا واسطة هناك ولا سبب