قوله يثبت بالحقائق وقال في التوحيد الأول يصح بالشواهد فإن الثبوت أبلغ من الصحة والحقائق أبلغ من الشواهد ويريد بالحقائق المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والاتصال والانفصال والحياة والقبض والبسط وما ذكره من قسم الحقائق من كتابه
وبالأدلة والشواهد يصح التوحيد العام وبالحقائق يثبت التوحيد الخاص
قوله وهو إسقاط الأسباب الظاهرة يحتمل أن يريد بها الأسباب المشاهدة التي تظهر لنا وإسقاطها هو أن لا يرى لها تأثيرا ألبتة ولا تغييرا وإن باشرها بحكم الارتباط العادي فمباشرتها لا تنافي إسقاطها
ويحتمل أن يريد بالأسباب الظاهرة الحركات والأعمال وإسقاطها عزلها عن اقتضائها السعادة والنجاة لا إهمالها وتعطيلها فإن ذلك كفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية ولكن يقوم بها وقد عزلها عن ولاية النجاح والنجاة كما قال اعملوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجيه عمله
واحترز بالأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان والتصديق ومحبة الله ورسوله فإن النجاة والسعادة معلقة بها بل التوحيد نفسه من الأسباب بل هو أعظم الأسباب الباطنة فلا يجوز إسقاطه
وعلى التقديرين فهو غير مخلص فإذا أريد بالإسقاط التعطيل والاهمال فمن أبطل الباطل وإن أريد العزل عن ولاية الاقتضاء وإسناد الحكم إلى مشيئة الرب وحده فلا فرق بين الأسباب الظاهرة والباطنة وإن أريد الأسباب التي لم يؤمر بها العبد فليس إسقاطها من توحيد الله في شيء ولا القيام بها مبطلا له ولا منقصا
وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر