وقدرتك وعدلك وحكمتك فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ إلا بك من شيء هو صادر عن مشيئتك وخلقك بل هو منك ولا أستعيذ بغيرك من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن بمشيئتك فأعوذ بك منك
ولا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته
وأشرنا إلى شيء يسير من معناها ولو استقصينا شرحها لقام منه سفر ضخم ولكن قد فتح لك الباب فإن دخلت رأيت عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
والمقصود أن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضى له ومسخوط مبغوض له مكروه له أمر معلوم بجميع أنواع الأدلة من العقل والنقل والفطرة والإعتبار فمن سوى بين ذلك كله فقد خالف فطرة الله التي فطر عليها عباده وخالف المعقول والمنقول وخرج عما جاءت به الرسل
ولأي شيء نوع الله سبحانه العقوبات البليغة في الدنيا والآخرة وأشهد عباده منها ما أشهدهم لولا شدة غضبه وسخطه على الفاعلين لما اشتدت كراهته وبغضه له فأوجبت تلك الكراهة والبغض منه وقوع أنواع المكاره بهم كما أن محبته لما يحبه من الأفعال ويرضاه أوجبت وقوع أنواع المحاب لمن فعلها وشهود ما في العالم من إكرام أوليائه وإتمام نعمه عليهم ونصرهم وإعزازهم وإهانة أعدائه وعقوبتهم وإيقاع المكاره بهم من أدل الدليل على حبه وبغضه وكراهته بل نفس موالاته لمن والاه ومعاداته لمن عاداه هي عين محبته وبغضه فإن الموالاة أصلها الحب والمعاداة أصلها البغض فإنكار صفة المحبة والكراهة إنكار لحقيقة الموالاة والمعاداة
وبالجملة فشهود القلوب لمحبته وكراهته كشهود العيان لكرامته وإهانته