وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن الصحيح: أن اعتكافه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك العشر كان لطلبه ليلةَ القدر قبلَ أن يعلم أنها في العشر الأواخر [1] ، فلما أُعلم بذلك، كان يعتكف العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفاه اللَّه؛ كما في"الصحيحين"من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- [2] .
(فاعتكف عامًا) مصدر عامَ: إذا سَبَحَ؛ يقال: عامَ يعومُ عَوْمًا وعامًا، فالإنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى يأتيه الموت يغرقُ فيها؛ أي: اعتكف في شهر رمضان في عام [3] ، (حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين) -بنصب ليلة-، وضبطه بعضهم -بالرفع- فاعلًا بكان التامة؛ بمعنى: ثبت، أو نحوه، والمراد: حتى إذا كان استقبال ليلة إحدى وعشرين؛ لأن المعتكف العشرَ الأوسط إنما يخرج قبلَ دخول ليلة الحادي والعشرين؛ لأنها من العشر الأخير، وقد صرح به في رواية هشام في الصحيح [4] ، (وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها) ، وفي لفظ بإسقاط (من اعتكافه) [5] ، فكان على خروجه -صلى اللَّه عليه وسلم- صبيحة عشرين؛ كما في"الصحيحين"من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: تذاكَرْنا ليلةَ القدر، فأتيت أبا سعيد الخدريَّ، وكان لي صديقًا، فقلت: ألا تخرجُ بنا إلى النخل؟ فخرج وعليه خميصة، فقلت: سمعتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العشرَ الوسطى من
(1) انظر:"شرح عمدة الأحكام"لابن دقيق (2/ 252) .
(2) سيأتي تخريجه في أول باب الاعتكاف.
(3) انظر:"إرشاد الساري"للقسطلاني (3/ 439) .
(4) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1912) . وانظر:"إرشاد الساري"للقسطلاني (3/ 439) .
(5) انظر:"إرشاد الساري"للقسطلاني (3/ 439) .