أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكن الذي تدلّ عليه الأحاديث في"الصّحيحين"، وغيرِهما، من رواية عائشةَ وجابرٍ، وغيرِهما: أنَّه إنّما قال ذلك لهم في منتهى سفرِهم ودُنُوِّهم من مكّة، وهم بِسَرِف؛ كما في حديث عائشة [1] .
أو بعد طوافه؛ كما في حديث جابر [2] .
ويحتمل تكرارُ الأمر بذلك في الموضعين، وأنّ العزيمة كانت أخيرًا حينَ أمرَهم بفسخ الحجّ إلى العمرة [3] .
(مَنْ كان منكُم أَهدى، فإنّه لا يحلُّ من شيء) ، وفي لفظ:"لشيء" [4] باللام بدل"من".
(حَرُمَ منهُ) ؛ أي: من أفعاله، وهو -بفتح الحاء المهملة وضمّ الرّاء-؛ أي: امتنعَ منه بإحرامه (حتّى يقضيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان معتمرًا، فكذلك، ويُدخِلُ الحجَّ على العمرة، لما في الحديث:"ومن أحرمَ بعمرةٍ، وأَهْدَى، فلا يحلّ حتّى ينحرَ هَدْيَه" [5] ، (ومن لم يكنْ منكم أهدَى، فلْيَطُفْ بالبيتِ) سبعًا، (و) لْيَسعَ (بالصّفا) ؛ أي: ما بين الصفا (والمروة) سبعًا، (وليقصّر) من جميع شعر رأسه.
وإنّما لم يقلْ: وليحلقْ -وإن كانَ أفضل-، لأنّ التّقصيرَ هنا أفضلُ؛ ليوفِّرَ شعرَهُ، فيحلقَه في الحجّ؛ فإنَّ الحلقَ في التحلُّل من الحجّ
(1) رواه البخاري (1485) ، كتاب: الحج، باب: قول اللَّه تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، ومسلم (1211) ، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(2) سيأتي تخريجه في أول باب: فسخ الحج إلى العمرة.
(3) انظر:"إرشاد الساري"للقسطلاني (3/ 215) .
(4) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1606) .
(5) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1211) من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.