فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 6201

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى قُرْآنًا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْرُوءٌ؟

قِيلَ كَمَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمَكْتُوبُ كِتَابًا، بِمَعْنَى كِتَابُ الْكَاتِبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ، فِي صِفَةِ كِتَابِ طَلَاقٍ، كَتَبَهُ لِامْرَأَتِهِ:

[البحر الوافر]

تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي وَفِيهَا ... كِتَابٌ مِثْلُ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ

يُرِيدُ: طَلَاقًا مَكْتُوبًا، فَجَعَلَ الْمَكْتُوبَ كِتَابًا.

وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ، الَّذِي هُوَ فُرْقَانٌ، فَإِنَّ تَفْسِيرَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، هِيَ فِي الْمَعَانِي مُؤْتَلِفَةٌ.

فَقَالَ عِكْرِمَةُ «هُوَ النَّجَاةُ» وَكَذَلِكَ كَانَ السُّدِّيُّ يَتَأَوَّلُهُ.

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الْفُرْقَانُ: الْمَخْرَجُ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:" {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} "

[الأنفال: 41] يَوْمَ فَرَقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ""

فَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ فِي مَعْنَى الْفُرْقَانِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ جُعِلَ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْ أَمْرٍ كَانَ فِيهِ فَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ الْمَخْرَجُ مِنْهُ نَجَاةً، وَكَذَلِكَ إِذَا نَجَى مِنْهُ فَقَدْ نُصِرَ عَلَى مَنْ بَغَاهُ فِيهِ سُوءًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاغِيهِ بِالسُّوءِ. فَجَمِيعُ مَا رَوَيْنَا عَمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ فِي مَعْنَى الْفُرْقَانِ قَوْلٌ صَحِيحُ الْمَعْنَى، لِاتِّفَاقِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَأَصْلُ الْفُرْقَانِ عِنْدَنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِقَضَاءٍ، وَاسْتِنْقَاذٍ، وَإِظْهَارِ حُجَّةٍ، وَتَصَرُّفٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُفَرِّقَةِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ. فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ، أَنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ فُرْقَانًا، لِفَصْلِهِ بِحُجَّتِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ وَسَائِرِ مَعَانِي حُكْمِهِ، بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، وَفُرْقَانُهُ بَيْنَهُمَا بِنَصْرِهِ الْمُحِقَّ وَتَخْذِيلِهِ الْمُبْطِلَ، حُكْمًا وَقَضَاءً. وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ كَتَبْتُ كِتَابًا، كَمَا تَقُولُ قُمْتُ قِيَامًا، وَحَسِبْتُ الشَّيْءَ حِسَابًا، وَالْكِتَابُ هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ، مَجْمُوعَةً وَمُفْتَرِقَةً، وَسُمِّيَ كِتَابًا وَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُوبٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدْنَا بِهِ:

[البحر الوافر] . . . . . . . . . . وَفِيهَا كِتَابٌ مِثْلُ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ.

يَعْنِي بِهِ مَكْتُوبًا. وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ الذِّكْرُ، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، ذَكَّرَ بِهِ عِبَادَهُ، فَعَرَّفَهُمْ فِيهِ حُدُودَهُ وَفَرَائِضَهُ، وَسَائِرَ مَا أَوْدَعَهُ مِنْ حُكْمِهِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ ذِكْرٌ وَشَرَفٌ وَفَخْرٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِمَا فِيهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}

[الزخرف: 44] يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُ وَلِقَوْمِهِ. ثُمَّ لِسُوَرٍ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ سَمَّاهَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ»

عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَأُعْطِيتُ الْمَثَانِيَ مَكَانَ الزَّبُورِ، وَأُعْطِيتُ الْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ»

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «الطُّوَلُ كَالتَّوْارَةِ. وَالْمِئُونَ كَالْإِنْجِيلِ، وَالْمَثَانِي كَالزَّبُورِ، وَسَائِرُ الْقُرْآنِ بَعْدُ فَضْلٌ عَلَى الْكُتُبِ»

عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَعْطَانِي رَبِّي مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، وَمَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَمَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ، وَفَضَّلَنِي بِالْمُفَصَّلِ»

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَالسَّبْعُ الطُّوَلُ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَيُونُسُ؛ فِي قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ قَوْلَ سَعِيدٍ هَذَا.

[عن] ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ، إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَهُوَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرَ ذَوَاتَ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بِبَعْضِ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا»

وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَنْفَالَ وَبَرَاءَةَ، مِنَ السَّبْعِ الطُّوَلِ، وَيُصَرِّحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا.

وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّوَرُ السَّبْعَ الطُّوَلِ، لِطُولِهَا عَلَى سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْمِئُونَ: فَهِيَ مَا كَانَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، عَدَدُ آيِهِ مِائَةُ آيَةٍ، أَوْ تُزِيدُ عَلَيْهَا شَيْئًا أَوْ تُنْقِصُ مِنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا. وَأَمَّا الْمَثَانِي: فَإِنَّهَا مَا ثَنَّى الْمِئِينَ فَتَلَاهَا، وَكَانَ الْمِئُونَ لَهَا أَوَائِلَ، وَكَانَ الْمَثَانِي لَهَا ثَوَانِيَ؛ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَثَانِي سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِتَثْنِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيهَا الْأَمْثَالَ وَالْخَبَرَ وَالْعِبَرَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا ثُنِّيَتْ فِيهَا الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ»

عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ يُكْثِرُ تِعْدَادُهُمْ: «الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَثَانٍ»

وَقَالَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى: بَلِ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، لِأَنَّهَا تُثَنَّى قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ.

وَسَنَذْكُرُ أَسْمَاءَ قَائِلِي ذَلِكَ وَعِلَلَّهُمْ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ، فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}

[الحجر: 87] إِنَّ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت