موقفه من الإسرائيليات:
ثم إننا نجد ابن جرير يأتى في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج والسدي، وغيرهم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيرا مما رواه عن مسلمة النصارى.
ومن الأسانيد التي تسترعي النظر، هذا الإسناد: حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي عتاب .. رجل من تغلب كان نصرانيا عمرا من دهره ثم أسلّم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين، وكان فيما ذكر، أنه كان نصرانيا أربعين سنة ثم عمر في الإسلام أربعين سنة.
يذكر ابن جرير هذا الإسناد، ويروى لهذا الرجل النصرانى الأصل خبرا عن آخر أنبياء بنى إسرائيل، عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (7) من سورة الإسراء «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً» .
كما نراه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (94) من سورة الكهف «قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ... » الآية يسوق هذا الإسناد: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنى بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذى القرنين أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر، اسمه مرزبا ابن مردبة اليونانى من ولد يونن بن يافث بن نوح ... الخ» « ... وهكذا يكثر ابن جرير من رواية الإسرائيليات، ولعل هذا راجع إلى ما تأثر به من الروايات التاريخية التي عالجها في بحوثه التاريخية الواسعة.
وإذا كان ابن جرير يتعقب كثيرا من هذه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل، احتياج كثير من كتب التفسير التي اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلى، على أن ابن جرير - كما قدمنا - قد ذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات.
انصرافه عما لا فائدة فيه:
ومما يلفت النظر في تفسير ابن جرير أن مؤلفه لا يهتم فيه - كما يهتم غيره من المفسرين - بالأمور التي لا تعنى ولا تفيد، فنراه مثلا عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة «إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ... الآيات» (112، 113، 114) إلى قوله «وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء ... ثم يعقب على هذا بقوله «وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكا وخبزا، وجائز أن يكون ثمرا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به «إذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل» اهـ.
كما نراه عند تفسير قوله تعالى في الآية (20) من سورة يوسف «وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» يعرض لمحاولات قدماء المفسرين في تحديد عدد الدراهم، هل هي عشرون؟ أو اثنان وعشرون؟ أو أربعون؟ ... إلى آخر ما ذكره من الروايات ... ثم يعقب على ذلك كله بقوله «والصواب من القول أن يقال: إن الله - تعالى ذكره - أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وقد يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعون، وأقل من ذلك وأكثر. وأى ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه» اهـ
احتكامه إلى المعروف من كلام العرب:
وثمة أمر آخر سلكه ابن جرير في كتابه، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعا موثوقا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض.
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (40) من سورة هود «حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... الآية» نراه يعرض لذكر الروايات عن السلف في معنى لفظ التنور، فيروى لنا قول من قال: إن التنور عبارة عن وجه الأرض، وقول من قال: إنه عبارة عن تنوير الصبح، وقول من قال إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها، وقول من قال: