إنه عبارة عما يختبز فيه ... ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله «وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله (التنور) قول من قال: التنور: الذي يختبز فيه، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها، وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به ... » اهـ
رجوعه إلى الشعر القديم:
كذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع، متبعا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (22) من سورة البقرة « ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً .. » يقول ما نصه قال أبو جعفر. والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان ابن ثابت:
أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء
يعنى بقوله: ولست له بند، لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرا لشيء وشبيها فهو له ند» ثم يسوق الروايات عمن قال ذلك من السلف ...
اهتمامه بالمذاهب النحوية:
كذلك نجد ابن جرير يتعرض كثيرا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين في النحو والصرف، ويوجه الأقوال، تارة على المذهب البصرى، وأخرى على المذهب الكوفى، فمثلا عند قوله تعالى في الآية (18) من سورة إبراهيم «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ» يقول ما نصه «اختلف أهل العربية في رافع (مثل) فقال بعض نحويى البصرة:
إنما هو كأنه قال: ومما نقص عليكم مثل الذين كفروا، ثم أقبل يفسّره كما قال:
مثل الجنة .. وهذا كثير. وقال بعض نحويى الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتى بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ... الخ.
وهكذا يكثر ابن جرير في مناسبات متعددة من الاحتكام إلى ما هو معروف من لغة العرب، ومن الرجوع إلى الشعر القديم ليستشهد به على ما يقول. ومن التعرض للمذاهب النحوية عند ما تمس الحاجة، مما جعل الكتاب يحتوى على جملة كبيرة من المعالجات اللغوية والنحوية التي أكسبت الكتاب شهرة عظيمة.
والحق أن ما قدمه لنا ابن جرير في تفسيره من البحوث اللغوية المتعددة والتي تعتبر كنزا ثمينا ومرجعا مهما في بابها، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ. ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التي عالجها ابن جرير في تفسيره لم تكن أمرا مقصودا لذاته، وإنما كانت وسيلة للتفسير، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض، كما يحاول بذلك - أحيانا - أن يوفق بين ما صح عن السلف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يتوهم من التناقض بينهما.
معالجته للأحكام الفقهية:
كذلك نجد في هذا التفسير آثارا للأحكام الفقهية، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك كله برأى يختاره لنفسه، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة، فمثلا نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (8) من سورة النحل «وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ» نجده يعرض لأقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، ويذكر قول كل قائل بسنده ... وأخيرا يختار قول من قال: إن الآية لا تدل على حرمة شيء من ذلك، ووجه اختياره هذا فقال: ما نصه «والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثانى - وهو أن الآية لا تدل على الحرمة - وذلك أنه لو كان في قوله - تعالى ذكره - (لتركبوها) دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للركوب للأكل. لكان في قوله (فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ) دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفى إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره (ومنها تأكلون) جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال (لتركبوها) جائز حلال غير حرام، إلا بما نص على تحريمه، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شئ. وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلى البغال بما قد بينا في كتابنا كتاب الأطعمة؛ إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول من استدل بهذه الآية على تحريم لحم الفرس» اهـ.
خوضه في مسائل الكلام: