فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 6201

ولا يفوتنا أن ننبه على ما نلحظه في هذا التفسير الكبير، من تعرض صاحبه لبعض النواحى الكلامية عند كثير من آيات القرآن، مما يشهد له بأنه كان عالما ممتازا في أمور العقيدة، فهو إذا ما طبق أصول العقائد على ما يتفق مع الآية أفاد في تطبيقه. وإذا ناقش بعض الآراء الكلامية أجاد في مناقشته، وهو في جدله الكلامى وتطبيقه ومناقشته، موافق لأهل السنة في آرائهم، ويظهر ذلك جليا في رده على القدرية في مسألة الاختيار.

فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في آخر سورة الفاتحة آية (7) «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ» نراه يقول ما نصه «وقد ظن بعض أهل الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله (ولا الضالين) وإضافة الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنه مغضوب عليهم، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية، جهلا منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنه الغبى الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكون كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك من فعله، ولوجب أن يكون خطأ قول القائل: تحركت الشجرة إذا حركتها الرياح، واضطربت الأرض إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب. وفى قوله جل ثناؤه «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ» وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها، ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله ولا الضالين، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى تصحيحا لما ادعى المنكرون أن يكون الله جل ثناؤه في أفعال خلقه بسبب من أجلها وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصا في آي كثيرة من تنزيله:

أنه المضل الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادى دون غيره، ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه وإن كان مشيئة غير الذي وجد منه الفعل غيره، فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبا، ويوجده الله جل ثناؤه عينا منشأة، بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه كسبا له بالقوة منه عليه، والاختيار منه له، وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرا» اهـ.

وكثيرا ما نجد ابن جرير يتصدى للرد على المعتزلة في كثير من آرائهم الاعتقادية، فنراه مثلا يجادلهم مجادلة حادة في تفسيرهم العقلي التنزيهى للآيات التي تثبت رؤية الله عند أهل السنة، كما نراه يذهب إلى ما ذهب إليه السلف من عدم صرف آيات الصفات عن ظاهرها، مع المعارضة لفكرة التجسيم والتشبيه، والرد على أولئك الذين يشبهون الله بالإنسان.... وهكذا نجد ابن جرير لم يقف كمفسر موقفا بعيدا عن مسائل النزاع التي تدور حول العقيدة في عصره، بل نراه يشارك في هذا المجال من الجدل الكلامى بنصيب لا يستهان به، مع حرصه كل الحرص على أن يحتفظ بسنيته ضد وجوه النظر التي لا تتفق وتعاليم أهل السنة.

وبعد ... فإن ما جمعه ابن جرير في كتابه من أقوال المفسرين الذين تقدموا عليه، وما نقله لنا عن مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود، ومدرسة على ابن أبي طالب، ومدرسة أبي بن كعب، وما استفاده مما جمعه ابن جريج والسدى وابن إسحاق وغيرهم من التفاسير جعلت هذا الكتاب أعظم الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور، كما أن ما جاء في الكتاب من إعراب، وتوجيهات لغوية، واستنباطات في نواح متعددة، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، كان نقطة التحول في التفسير، ونواة لما وجد بعد من التفسير بالرأى، كما كان مظهرا من مظاهر الروح العلمية السائدة في هذا العصر الذي يعيش فيه ابن جرير.

وفى الحق أن شخصية ابن جرير الأدبية والعلمية، جعلت تفسيره مرجعا مهما من مراجع التفسير بالرواية، فترجيحاته المختلفة تقوم على نظرات أدبية ولغوية وعلمية قيمة، فوق ما جمع فيه من الروايات الأثرية المتكاثرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت