فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 6201

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {هُدًى}

عن الشعبي،"هُدًى"قال: هُدًى من الضلالة.

وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،"هدى للمتقين"، يقول: نور للمتقين.

والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك: هديتُ فلانًا الطريق - إذا أرشدتَه إليه، ودللَته عليه، وبينتَه له - أهديه هُدًى وهداية.

فإن قال لنا قائل: أوَ ما كتابُ الله نورًا إلا للمتّقين، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين؟

قيل: ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجل. ولو كان نورًا لغير المتقين، ورشادًا لغير المؤمنين، لم يخصُصِ الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدًى، بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين. ولكنه هدًى للمتقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، وَوَقْرٌ في آذان المكذبين، وعمىً لأبصار الجاحدين، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين. فالمؤمن به مُهتدٍ، والكافر به محجوجٌ.

وقوله"هدى"يحتمل أوجهًا من المعاني:

أحدُها: أن يكون نصبًا، لمعنى القطع من الكتاب، لأنه نكرة والكتاب معرفة. فيكون التأويل حينئذ: ألم ذلك الكتاب هاديًا للمتقين. و"ذلك"مرفوع بـ"الم"، و"الم"به، والكتابُ نعت لـ"ذلك".

وقد يحتمل أن يكون نصبًا، على القطع من رَاجع ذكر الكتاب الذي في"فيه"، فيكونُ معنى ذلك حينئذ: ألم الذي لا ريب فيه هاديًا.

وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين، أعني على وجه القطع من الهاء التي في"فيه"، ومن"الكتاب"، على أن"الم"كلام تام، كما قال ابن عباس إنّ معناه: أنا الله أعلم. ثم يكون"ذلك الكتاب"خبرًا مستأنفًا، فيرفع حينئذ"الكتاب"بـ"ذلك"، و"ذلك"بـ"الكتاب"، ويكون"هُدًى"قطعًا من"الكتاب"، وعلى أن يرفع"ذلك"بالهاء العائدة عليه التي في"فيه"، و"الكتاب"نعتٌ له؛ والهدى قطع من الهاء التي في"فيه". وإن جُعِل الهدى في موضع رفع، لم يجز أن يكون"ذلك الكتاب"إلا خبرًا مستأنفًا، و"الم"كلاما تامًّا مكتفيًا بنفسه، إلا من وجه واحد، وهو أن يُرفع حينئذ"هُدًى"بمعنى المدح، كما قال الله جل وعز: (الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ) [لقمان: 1 - 3] في قراءة من قرأ"رحمةٌ". بالرفع، على المدح للآيات.

والرفع في"هدى"حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه: أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ. والآخر: على أن يُجعل مُرافعَ"ذلك"، و"الكتاب"نعتٌ"لذلك". والثالث: أن يُجعل تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، ويكون"ذلك الكتاب"مرفوعًا بالعائد في"فيه". فيكون كما قال تعالى ذكره: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) [الأنعام: 92] .

وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين، أنّ"الم"مرافعُ"ذلك الكتاب"بمعنى: هذه الحروف من حروف المعجم، ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك. ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه، وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه، فزعم أن الرفع في"هُدًى"من وجهين، والنصبَ من وجهين. وأنّ أحد وَجهي الرفع: أن يكون"الكتابُ"نعتًا لِـ"ذلك"و"الهدى"في موضع رفعٍ خبرٌ لِـ"ذلك".

كأنك قلت: ذلك هدًى لا شكّ فيه. قال: وإن جعلتَ"لا ريب فيه"خبرَه، رفعتَ أيضًا"هدى"، بجعله تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، كما قال الله جل ثناؤه: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) ، كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى من صفته كذا وكذا. قال: وأما أحدُ وجهي النَّصْب فأن تَجعَل الكتاب خبرًا لـ"ذلك"، وتنصبَ"هدى"على القطع، لأن"هدى"نكرة اتصلت بمعرفة، وقد تمّ خبرُها فنصبْتَها لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت"هدى"على القطع من الهاء التي في"فيه"كأنك قلت: لا شك فيه هاديًا.

قال أبو جعفر: فترك الأصل الذي أصَّله في"الم"وأنها مرفوعة بـ"ذلك الكتاب"، ونبذه وراء ظهره. واللازم كان له على الأصل الذي أصَّله، أن لا يجيز الرَّفع في"هدى"بحالٍ إلا من وَجْه واحدٍ، وذلك من قِبَلِ الاستئناف، إذ كان مَدْحًا. فأما على وجه الخبر"لذلك"، أو على وجه الإتباع لموضع"لا ريب فيه"، فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ. وذلك أن"الم"إذا رافعت"ذلك الكتاب"، فلا شك أن"هدى"غيرُ جائز حينئذٍ أن يكون خبرًا"لذلك"، بمعنى المرافع له، أو تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، لأن موضعه حينئذ نصبٌ، لتمام الخبر قبلَه، وانقطاعه - بمخالفته إيّاه - عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت