القول في تأويل قوله: {لِلْمَلائِكَةِ}
والملائكة جمع مَلأكٍ، غيرَ أن أحدَهم، بغير الهمزة أكثرُ وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي وَاحِدِهِمْ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَ مِنْهُ، وَيُحَرِّكُونَ اللَّامَ الَّتِي كَانَتْ مُسَكَّنَةً لَوْ هُمِزَ الِاسْمُ. وَإِنَّمَا يُحَرِّكُونَهَا بِالْفَتْحِ، لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ الَّتِي فِيهِ بِسُقُوطِهَا إِلَى الْحَرْفِ السَّاكِنِ قَبْلَهَا، فَإِذَا جَمَعُوا وَاحِدَهُمْ رَدُّوا الْجَمْعَ إِلَى الْأَصْلِ وَهَمَزُوا، فَقَالُوا: مَلَائِكَةٌ. وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ نَحْوَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهَا، فَتَتْرُكُ الْهَمْزَ فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ مَهْمُوزَةٌ فَيَجْرِي كَلَامُهُمْ بِتَرْكِ هَمْزِهَا فِي حَالٍ، وَبِهَمْزِهَا فِي أُخْرَى، كَقَوْلِهِمْ: رَأَيْتُ فُلَانًا، فَجَرَى كَلَامُهُمْ بِهَمْزِ رَأَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: نَرَى وَتَرَى وَيَرَى، فَجَرَى كَلَامُهُمْ فِي يَفْعَلُ وَنَظَائِرِهَا بِتَرْكِ الْهَمْزِ، حَتَّى صَارَ الْهَمْزُ مَعَهَا شَاذًّا مَعَ كَوْنِ الْهَمْزِ فِيهَا أَصْلًا. فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَلَكٍ وَمَلَائِكَةٍ، جَرَى كَلَامُهُمْ بِتَرْكِ الْهَمْزِ مِنْ وَاحِدِهِمْ، وَبِالْهَمْزِ جَمِيعِهِمْ. وَرُبَّمَا جَاءَ الْوَاحِدُ مَهْمُوزًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمِلْأَكٍ ... تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
وَقَدْ يُقَالُ فِي وَاحِدِهِمْ: مَأْلَكٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: جَبَذَ وَجَذَبَ، وَشَأْمَلَ وَشَمْأَلَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَقْلُوبَةِ. غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ يَجِبُ إِذَا سُمِّيَ وَاحِدُهُمْ مَأْلَكٌ، أَنْ يُجْمَعَ إِذْ جُمِعَ عَلَى ذَلِكَ: مَالِكٌ، وَلَسْتُ أَحْفَظُ جَمْعَهُمْ كَذَلِكَ سَمَاعًا، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَجْمَعُونَ مَلَائِكَ وَمَلَائِكَةً، كَمَا يُجْمَعُ أَشْعَثُ: أَشَاعِثُ وَأَشَاعِثَةُ، وَمَسْمَعٌ: مَسَامِعٌ وَمَسَامِعَةٌ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي جَمْعِهِمْ كَذَلِكَ:
[البحر الوافر]
وَفِيهَا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَوْمٌ ... مَلَائِكُ ذَلَّلُوا وَهُمْ صِعَابُ
وَأَصْلُ الْمَلَأْكِ: الرِّسَالَةُ، كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعِبَادِيُّ:
[البحر الرمل]
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلْأَكًا ... أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي
وَقَدْ يُنْشَدُ مَأْلَكًا عَلَى اللُّغَةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ قَالَ: مَلْأَكًا، فَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ لَأَكَ إِلَيْهِ يَلْأَكُ: إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً مَلْأَكَةً. وَمَنْ قَالَ: مَأْلَكًا، فَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ أَلَكْتُ إِلَيْهِ آلِكُ: إِذَا أَرْسَلْتُ إِلَيْهِ مَأْلَكَةً وَأَلُوكًا، كَمَا قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
[البحر الرمل]
وَغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بَأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
فَهَذَا مِنْ أَلَكْتُ. وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ:
[البحر الوافر]
أَلِكْنِي يَا عُيَيْنُ إِلَيْكَ قَوْلًا ... سَتُهْدِيهِ الرُّوَاةُ إِلَيْكَ عَنِّي
وَقَالَ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ:
[البحر الطويل]
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى ... بِآيَةٍ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا
يَعْنِي بِذَلِكَ: أَبْلِغْهَا رِسَالَتِي. فَسُمِّيَتِ الْمَلَائِكَةُ مَلَائِكَةً بِالرِّسَالَةِ، لِأَنَّهَا رُسُلُ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَمَنْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ.