فهرس الكتاب

الصفحة 665 من 6201

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ}

اختلف أهل التأويل في قوله:"إني جاعل"، فقال بعضهم: إني فاعل.

وقال آخرون: إني خالق.

عَنْ أَبِي رَوْقٍ، قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ جَعَلَ فَهُوَ خَلَقَ» [1]

قال أبو جعفر: والصواب في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة": أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا.

وقيل: إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي"مكة".

عن ابن سابط: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دُحِيت الأرضُ من مكة، وكانت الملائكة تطوفُ بالبيت، فهي أوّل من طاف به، وهي"الأرضُ"التي قال الله:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا هَلَكَ قَوْمُهُ وَنَجَا هُوَ وَالصَّالِحُونَ أَتَى هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فَعَبَدُوا اللَّهَ بِهَا حَتَّى يَمُوتُوا، فَإِنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ"."

القول في تأويل قوله: {خَلِيفَةً}

والخليفة الفعيلة من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده. كما قال جل ثناؤه (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس: 14] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَنَّهُ أَبْدَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْهُمْ فَجَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ بَعْدَهُمْ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ: خَلِيفَةً، لِأَنَّهُ خَلَفَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَقَامَ بِالْأَمْرِ مَقَامَهُ، فَكَانَ مِنْهُ خَلَفًا، يُقَالُ مِنْهُ: خَلَفَ الْخَلِيفَةُ يَخْلُفُ خِلَافَةً وخِلِّيفَى.

وكان ابن إسحاق يقول: ساكنًا وعامرًا يسكنها ويعمُرها خلَفًا، ليس منكم.

وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها - وإن كان الله جل

ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفةً يسكنها - ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.

فإن قال قائل: فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرًا، فكان بنو آدم منه بدلا وفيها منه خلَفًا؟

قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك.

قال ابن عباس: أول من سكن الأرضَ الجنُّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضًا. فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال:"إني جاعل في الأرض خليفة".

فعلى هذا القول:"إني جاعل في الأرض خليفة"، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها.

عن الربيع بن أنس في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة"، الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض.

وقال آخرون في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة"، أي خلفًا يخلف بعضهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله.

وهذا قول حكي عن الحسن البصري.

عن ابن عباس [وابن مسعود] : أنّ الله جل ثناؤه قال للملائكة:"إني جاعل في الأرض خليفة". قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذُرّيةٌ يُفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس: إني جاعل في الأرض خليفةً منّي يخلفني في الحكم بين خلقي. وذلك الخليفة هو آدمُ ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه.

وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها، فمن غير خلفائه، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله - لأنهما أخبرَا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته - إذ سألوه: ما ذاك الخليفة؟ =: إنه خليفة يكون له ذُرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذُرّية خليفته دونه، وأخرج منه خليفته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هذا القول فيه نظر، لأنه يدعم قول المعتزلة القائلين بخلق القرآن مستدلين بمثل قوله تعالى (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) [الزخرف: 3] فكيف يكون الجعل فِي الآية السابقة بمعنى الخلق؟!!

والجعل له معان متعددة لا يقتصر على معنى الخلق فقط، ومن ذلك قوله تعالى (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) [فصلت: 9] فإن الجعل فيها بمعني القول.

وقد ذكر الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - معاني الجعل، وذكر أن الجعل له معان أخرى سوى الخلق والإيجاد.

أَحَدُهَا: (جَعَلَ) بِمَعْنَى صَيَّرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا) [الْفُرْقَانِ: 47] .

وَثَانِيهَا: (جَعَلَ) بِمَعْنَى وَهَبَ، نَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وَهَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الْفَرَسَ.

وَثَالِثُهَا: (جَعَلَ) بِمَعْنَى الْوَصْفِ لِلشَّيْءِ وَالْحُكْمِ بِهِ كَقوله تَعَالَى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا) [الزُّخْرُفِ: 19] ، وَقَالَ: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) [الْأَنْعَامِ: 10] .

وَرَابِعُهَا: (جَعَلَهُ) كَذَلِكَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ كَقوله تَعَالَى: (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً) [الْأَنْبِيَاءِ: 73] يَعْنِي أَمَرْنَاهُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَقَالَ: (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا) [البقرة: 124] فَهُوَ بِالْأَمْرِ.

وَخَامِسُهَا: أَنْ يَجْعَلَهُ بِمَعْنَى التَّعْلِيمِ كَقَوْلِهِ: (جَعَلْتُهُ) كَاتِبًا وَشَاعِرًا إِذَا عَلَّمْتَهُ ذَلِكَ.

وَسَادِسُهَا: الْبَيَانُ وَالدَّلَالَةُ تَقُولُ: (جَعَلْتُ) كَلَامَ فُلَانٍ بَاطِلًا إِذَا أَوْرَدْتَ مِنَ الْحُجَّةِ مَا يُبَيِّنُ بُطْلَانَ ذَلِكَ. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 54} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت