فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 6201

فكتاب الله تقوم به المعالم، وتثبت الدعائم، وهو - كما قال الزركشي - العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجّة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره. بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسّم لفظه ومعناه، إلى ما ينشط السامع، ويقرّط المسامع، من تجنيس أنيس، وتطبيق لبيق، وتشبيه نبيه، وتقسيم وسيم، وتفصيل أصيل، وتبليغ بليغ، وتصدير بالحسن جدير، وترديد ما له مزيد إلى غير ذلك مما احتوى من الصياغة البديعة، والصناعة الرفيعة، فالآذان بأقراطه حالية، والأذهان من أسماطه غير خالية فهو من تناسب ألفاظه، وتناسق أغراضه، قلادة ذات اتساق ومن تبسم زهره، وتنسّم نشره، حديقة مبهجة للنفوس والأسماع والأحداق كل كلمة منه لها من نفسها طرب، ومن ذاتها عجب، ومن طلعتها غرّة، ومن بهجتها درّة، لاحت عليه بهجة القدرة، ونزل ممن له الأمر، فله على كل كلام سلطان وإمرة، بهر تمكّن فواصله، وحسن ارتباط أواخره بأوائله، وبديع إشاراته، وعجيب انتقالاته من قصص باهرة، إلى مواعظ زاجرة، وأمثال سائرة، وحكم زاهرة، وأدلة على التوحيد ظاهرة، وأمثال بالتنزيه والتحميد سائرة، ومواقع تعجّب واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار إن كان سياق الكلام ترجية بسط، وإن كان تخويفا قبض، وإن كان وعدا أبهج، وإن كان وعيدا أزعج، وإن كان دعوة حدب، وإن كان زجرة أرعب، وإن كان موعظة أقلق، وإن كان ترغيبا شوّق.

هذا، وكم فيه من مزايا ... وفي زواياه من خبايا

ويطمع الحبر في التقاضي ... فيكشف الخبر عن قضايا

فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرّفه بأبدع معنى وأغرب أسلوب، لا يستقصي معانيه فهم الخلق، ولا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان الطّلق، فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفّق من وفقه الله لتدبره، واصطفاه للتذكير به وتذكّره، فهو يرتع منه في رياض، ويكرع منه في حياض.

أندى على الأكباد من قطر النّدى ... وألذّ في الأجفان من سنة الكرى

يملأ القلوب بشرا، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا، يحيى القلوب بأوراده، ولهذا سمّاه الله روحا فقال: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] فسمّاه روحا لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولولا الروح لمات الجسد، فجعل هذا الروح سببا للاقتدار، وعلما على الاعتبار.

يزيد على طول التأمّل بهجة ... كأن العيون الناظرات صياقل

وإنما يفهم بعض معانيه، ويطّلع على أسراره ومبانيه من قوي نظره، واتسع مجاله في الفكر وتدبّره وامتد باعه ورقّت طباعه، وامتدّ في فنون الأدب، وأحاط بلغة العرب.

ثم اعلمْ - أدام الله لك ما آتاك، وأفاض عليك من لدنه ما ينور مسعاك؛ وبلغك السعادة العظمى في عقباك، كما بلغك السعادة الصغرى في دنياك - أن العلوم المتعلقة بهذا الكتاب العزيز كثيرة، وفوائد كل علم منها غزيرة، وإن من أجلها وأنفسها علم التفسير، فهو أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا، فهو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، به تظهر أسرار التنزيل، وتنكشف حقائق التأويل، ولا يليق لتعاطيه والتصدي للتكلم فيه إلا من برع في العلوم الدينية كلها أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعها.

قال الحرالّي: «وأكمل العلماء من وهبه الله تعالى فهما في كلامه، ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، وإحاطة بما شاء من علوم القرآن، ففيه تمام شهود ما كتب الله لمخلوقاته من ذكره الحكيم بما يزيل بكريم عنايته من خطإ اللاعبين إذ فيه كلّ العلوم.

وقال الشافعيّ رضي الله عنه: «جميع ما تقوله الأمة شرح للسنّة، وجميع السنّة شرح للقرآن، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا.

زاد غيره: وجميع الأسماء الحسنى شرح لاسمه الأعظم وكما أنّه أفضل من كل كلام سواه، فعلومه أفضل من كلّ علم عداه قال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى} [الرعد: 19]

وقال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت