وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) }
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ}
فَقَرَأَهُ قُرَّاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ: {إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ}
بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنَ أَيْمَانَ بِمَعْنَى: لَا عُهُودَ لَهُمْ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ.
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (إِنَّهُمْ لَا إِيمَانَ) لَهُمْ بِكَسْرِ الْأَلْفِ، بِمَعْنَى: لَا إِسْلَامَ لَهُمْ.
وَقَدْ يُتَوَجَّهُ لِقِرَاءَتِهِ كَذَلِكَ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ: أَنَّهُمْ لَا أَمَانَ لَهُمْ: أَيْ لَا تُؤَمِّنُوهُمْ، وَلَكِنِ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، كَأَنَّهُ أَرَادَ الْمَصْدَرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: آمَنْتُهُ، فَأَنَا أُومِنُهُ إِيمَانًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ الَّذِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْأَلْفِ دُونَ كَسْرِهَا؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهِ وَرَفْضِ خِلَافِهِ؛ وَلِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَهُ لَا عَهْدَ لَهُمْ. وَالْأَيْمَانُ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْعَهْدِ، لَا تَكُونُ إِلَّا بِفَتْحِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهَا جَمْعُ يَمِينٍ كَانَتْ عَلَى عَقْدٍ كَانَ بَيْنَ الْمُتَوَادِعِينَ. انتهى كلامه.
أقول: وهذه قراءة ابن عامر - رحمه الله - وهي متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ فلا وجه لاستبعادها، ولا للاعتراض عليها.
قال السمين الحلبي:
قوله: {لاَ أَيْمَانَ}
قرأ ابن عامر: «لا إيمان» بكسر الهمزة، وهو مصدرُ آمَن يُؤْمن إيماناً. وهل هو من الأمان؟ وفي معناه حينئذٍ وجهان أحدهما: أنهم لا يُؤْمنون في أنفسهم أي: لا يُعْطون أماناً بعد نُكثِهم وطَعْنهم، ولا سبيلَ إلى ذلك.
والثاني: الإِخبار بأنهم لا يُوفون لأحدٍ بعهدٍ يَعْقِدونه له. أو من التصديق أي: إنهم لا إسلامَ لهم. واختار مكي التأويلَ الأول لِما فيه من تجديد فائدة لم يتقدَّمْ لها ذِكْرٌ؛ لأنَّ وَصْفَهم بالكفر وعدمِ الإِيمان قد سَبَقَ وعُرِف.
وقرأ الباقون بالفتح، وهو جمعُ يمين. وهذا مناسب للنكث، وقد أُجْمع على فَتْح الثانية. ومعنى نفي الأيمان عن الكفارِ، أنهم لا يُوفون بها، وإن صَدَرَتْ منهم وَثَبَتَتْ. وهذا كقول الآخر:
وإنْ حَلَفَتْ لا تَنْقُضُ الدهرَ عهدَها ... فليس لمخضوبِ البَنانِ يمينُ
وبذلك قال الشافعي. وحمله أبو حنيفة على حقيقته: أن يمين الكافر لا تكون يميناً شرعياً، وعند الشافعي يمينٌ شرعية. اهـ (الدر المصون. 6/ 25 - 26) .