قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظوراً، وأن قراءته قد بلغت من الرداءة مبلغاً لم يبلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ، ومع ذلك أسندها إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وهو جاهل بالعربية، وليس الطعن فِي ابن عامر طعناً فيه وإنما هو طعن فِي علماء الأمصار حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرءونها فِي محاريبهم، واللَّه أكرم من أن يجمعهم على الخطأ. اهـ
وقال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف فِي النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة موجود نظرها فِي كلام العرب فِي غير ما بيت، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب اللَّه شرقاً وغرباً، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين:
هذا عذر أشَد من الجرم حيث طعن فِي إسناد القراء السبعة وروايتهم وزعم أنَّهم إنما يقرءون من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن فِي تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة إليهم كما فِي هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم، وكلاهما خطأ لأن القراءات متواترة، وكذا الروايات عنهم وهى ما يستشهد بها لها، وقد وقع الفصل فيها بغير الظرف ينبغي أن يحكم بالجواز كما قالوا في قوله:
تمر على ما تستمر وقد شفت ... غلائلَ عبدُ القيس منها صدورِها
فعبد القيس فاعل شفت وقع فصلاً بين المضاف وهو غلائل والمضاف إليه وهو صدورها.
وقوله:
تنفي يداها الحصى فِي كل هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف
فالدراهم بالنصب فصل بين نفي وتنقاد، أو يحمل على حذف المضاف إليه من
الأول وإضمار المضاف من الثاني على ما ذهب إليه صاحب المفتاح، لأن تخطئة
الثقات والفصحاء أبعد من ذلك، أو يعتذر لمثله بما ذكر صاحب الانتصاف من أن
إضافة المصدر إلى معموله وإن كانت محضة لكنها تشبه غير المحضة، واتصاله
بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره وقد جاز فِي الغير الفصل بالظرف فيتميز هو عن
الغير بجواز الفصل بغير الظرف. اهـ
قال الطِّيبي: ذهب هنا إلى أن مثل هذا التركيب ممتنع، وخطأ إمام أئمة المسلمين،
وضعفه فِي قوله (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) . اهـ (نواهد الأبكار. 3/ 401 - 403) .