وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ ... (137) }
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ}
بِفَتْحِ الزَّايِ مِنْ (زَيَّنَ) ، {لَكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ}
بِنَصْبِ الْقَتْلِ، {شُرَكَاؤُهُمْ}
بِالرَّفْعِ. بِمَعْنَى أَنَّ شُرَكَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ، فَيَرْفَعُونَ الشُّرَكَاءَ بِفِعْلِهِمْ، وَيَنْصِبُونَ الْقَتْلَ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ. اهـ
قال السيوطي فِي نواهد الأبكار:
قال ابن المنير: نبرأ إلى اللَّه تعالى ونبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه عما رماهم به، فقد ركب عمياء، وتخيل القراءة اجتهاداً أو اختياراً لا نقلاً وإسناداً، وزعم أن مستنده ما وجده مكتوباً فِي بعض المصاحف (شركائهم) بالياء وجعل قراءته سمجة.
ونحن نعلم أنَّ هذه القراءة قرأها النبي صلى اللَّه عليه وسلم على جبريل كما أنزلها عليه، وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة عن أفصح من نطق بالضاد جملةً وتفصيلاً، ولا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله، ولولا عذر أنَّ المُنكِر ليس من أهل علمي القراءة والأصول لخيف عليه الخروج من ربقة الإسلام بذلك، ثم مع ذلك هو فِي عهدة خطرة وزلة منكرة، والذي ظن أنَّ تفاصيل الوجوه السبعة فيها ما ليس متواتراً غالط، ولكنه أقل غلطًا من هذا، فإن هذا جعلها موكلة إلى الآراء، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين، ظناً منه اطراد الأقيسة النحوية الذي يحرم برد من خالفها، ثم يبحث معه فإنَّ إضافة المصدر إلى معموله مقدر بالفعل وهذا عمل، وهو وإن كانت إضافته محضة مشبهة بما إضافته غير محضة حتى قال بعض النحاة: هي غير محضة، والحاصل أنَّ اتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره، وجاء الفصل فِي غيره بالظرف فتميز المصدر على غيره بجوازه فِي غير الظرف، ويؤيده أيضاً أنَّ المصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول، وقد التزم بعضهم اختصاص جواز الفصل بالمفعول بينه وبين الفاعل لوقوعه فِي غير مرتبته، كما جاز تقديم المضمر على الظاهر فِي غير رتبته، وأنشد أبو عبيد:
وحلق الماذي والقوانس ... فداسهم دوس الحصاد الدائس
وأنشد:
يفركن حب السنبل الكنافج ... بالقاع فرك القطن المحالج
ففصل بين الفاعل والمفعول، ويقوي عدم توغله فِي الإضافة جواز العطف على موضع مخفوضه نصباً وجراً، فهذه شواهد من العربية يجمع شملها هذه القراءة، وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة. اهـ