وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (33) }
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ: «السَّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» بِفَتْحِ السِّينِ. وَلَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهَا.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَالَ يُوسُفُ: يَا رَبِّ الْحَبْسُ فِي السِّجْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِكَ وَيُرَاوِدْنَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ. انتهى كلامه.
أقول: وهذه قراءة يعقوب الحضرمي - رحمه الله - وهي متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ فلا وجه لما ادعاه، وكيف ينعقد إجماع القراء مع مخالفة أحد القراء العشرة وهو يعقوب؟؟!!!.
قال العلامة شهاب الدين الدمياطي:
واختلف في قال رب السجن فيعقوب بفتح السين هنا خاصة على أنه مصدر أي الحبس و «إليَّ» متعلق بـ «أَحَبُّ» وليس «أفعل» هنا على بابه لأنه لم يحب ما يدعونه إليه قط، والباقون بالكسر، واتفقوا على كسر السين في (ودخل معه السجن) و (يا صاحبي السجن) معا و (لبث في السجن) لأن المراد بها المكان، ولا يصح أن يراد بها المصدر بخلاف الأول. اهـ (إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر. 470) .
قال السمين الحلبي:
قوله تعالى: {رَبِّ السِّجْنُ} : العامَّة على كسر الباء لأنه مضافٌ لياء المتكلم، اجتُزِئَ عنها بالكسرةِ وهي الفصحى.
و «السجن» بكسر السين ورفعِ النون على أنه مبتدأ، والخبر «أحبُّ» . والسِّجْن الحبس، والمعنى: دخول السجن.
وقرأ بعضهم: «رَبُّ» بضمِّ الباء وجَرِّ النون على أنَّ «ربُّ» مبتدأ و «السجنِ» خفض بالإِضافة، و «أَحَبُّ» خبرُه، والمعنى: ملاقاةُ صاحبِ السجن ومقاساتُه أحبُّ إليّ.
وقرأ عثمان ومولاه طارق وزيد بن علي والزهري وابن أبي إسحاق وابن هرمز ويعقوب بفتح السين، وفي الباقي كالعامَّة.
والسَّجْن مصدر، أي: الحَبْس أحبُّ إلي، و «إليَّ» متعلقٌ ب «أَحَبُّ» وقد تقدَّم أن الفاعل هنا يُجَرُّ ب «إلى» والمفعول باللام، وفي الحقيقة ليست هنا أَفْعَل على بابها من التفضيل لأنه لم يُحبَّ ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شَرَّان فآثر أحدَ الشَّرين على الآخر. اهـ (الدر المصون. 6/ 493) .