فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل؟
قلت: لأن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر، أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكأن الخلق المنبئ عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل كما سبق.
أي: هكذا يخلق الله منك ولدًا من غير أن يمسك بشر، فيجعله آية للناس وعبرة، فإنه {إِذَا قَضَى أَمْرًا} ؛ أي: إذا أراد خلق شيء من الكائنات {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} ؛ أي: لذلك الأمر {كُن} لا غير، أي: أحدث وأخرج من العدم {فـ} هو {يكون} ؛ أي: فذلك الأمر يوجد بسرعة من غير تباطؤ، فنفخ جبريل في جيب درعها، فوصل نَفَسه إلى فرجها فدخل رحمها، فحملت منه، وفيه إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجًا بأسباب ومواد .. يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، وهذا تمثيل لكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وتصوير لسرعة حصول ما يريد بلا إبطاء بصورة آمر مطاع لمأمور قادر على العمل مطيع يفعل ما يطلب منه على الفور.
وهذا الأمر يسمى أمر تكوين، وهناك أمر آخر هو أمر تكليف، يعرف بوحي الله لأنبيائه.