أي: مبصرًا فيه أو به، يعني: يبصر به المبصرون الأشياء، ولكونه حارًّا يقوّي الحركات في اكتساب المعاش، فإسناد الإبصار إلى النهار مجاز فيه مبالغة، ولقصد المبالغة عدل به عن التعليل إلى الحال، بأن قال: {مُبْصِرًا} دون لتبصروا فيه أو به؛ يعني: أنّ نفس النهار لما جُعِلَ مبصرًا .. فُهم أنّ النهار لكمال سببيّته للإبصار، وكثرة آثار القوة الباصرة، جعل كأنه هو المبصر.
فإن قيل: فلِمَ لَمْ يَسْلك في الليل سبيل المبالغة؟
قلنا: لأنّ نعمة النهار لشبهها بالحياة أتمّ وأولى من نعمة الليل، التي تشبه الموت، فكانت أحق بالمبالغة، إذ المقام مقام الامتنان، ولأنّ الليل يوسف بالسكون؛ لسكون هوائه وصفًا مجازيًا متعارفًا، فسلوك سبيل المبالغة فيه يرفع الاشتباه، كما أشير إليه في"الكشاف".
ثمّ إذا حملت الآية على الاحتباك كما جرينا عليه أولًا .. فقيل: التقدير حينئذ: الله الذي جعل لكم الليل مظلمًا لتسكنوا فيه، والنهار مبصرًا لتنتشروا فيه، ولتبتغوا من فضله، فحذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول لم يحتج إلى ما ذكر كذا أفاده سعدي المفتي.