فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 985

{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)}

فإن قيل: لِمَ قال يعقوب {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ، ثم قال: {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ، وقال: {إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ؟ فكيف يكون الصبر مع الشكوى؟

قيل: ليس هذا إلا شكاية من النفس إلى خالقها، وهو جائز، ألا ترى أن أيوب عليه السلام قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}

وقال تعالى مع شكواه إلى ربه في حقه: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} لأنه شكا منه إليه، وبكى منه عليه، فهو المعذور لديه؛ لأن حقيقة الصبر ومعناه الحقيقي حبس النفس ومنعها عن الشكوى إلى الغير، وترك الركون إلى الغير، وتحمل الأذى والابتلاء لصدوره من قضائه وقدره، كما قيل بلسان الحقيقة:

كُلُّ شَيءٍ مِنَ الملِيْحِ مَلِيْحُ ... لَكنِ الصَّبْرُ عَنْهُ غَيْرُ مَلِيْحِ

وقيل أيضًا:

وَالصَّبْرُ عَنْكَ فَمَذْمُوْمٌ عَوَاقِبُهُ ... وَالصَّبْرُ فِي سَائرِ الأَشْيَاءِ مَحْمُوْدُ

وذلك لأن المحب لا يصبر عن حضرة المحبوب، فلا يزال يعرض حاله وافتقاره إلى حضرته، ولسان العشق لسان التضرع والحكاية، لا لسان الجزع والشكاية، فشكاية العارف الواقف في صورة الشكوى حكاية حاله وتضرعه وافتقاره إلى حبيبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت