عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"يعني تكونون أنتم تجدعونها؛ أي: تقطعون أنفها أو أذنها، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا: {فِطْرَتَ اللَّهِ ... } الآية.
ومعناه: كل مولود إنما يولد في مبدأ الخلقة، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها .. استمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه العقل السليم، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد، فمن سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره.
وحكي عن عبد الله بن المبارك: أنه قال في معنى الحديث:"إن كل مولود يولد على فطرته"؛ أي: خلقته التي خلقه الله عليها في علمه، من السعادة والشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل: أن يولد بين يهوديين، أو نصرانيين، فيحملانه على اعتقاد دينهما.
فإن قلت: الحديث الذي ورد عنه - صلى الله عليه وسلم:"إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا"يعارضه حديث أبي هريرة:"كل مولود يولد على الفطرة"فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: يجمع بينهما بأن المراد بالفطرة: استعداده لقبول الإسلام، كما مر، وذلك لا ينافي كونه شقيًا في جبلته، أو يراد بالفطرة قولهم: {بَلَى} حين قال الله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} .
قال النووي: لما كان أبواه مؤمنين .. كان هو مؤمنًا أيضًا، فيجب تأويله بأن معناه - والله أعلم: إن ذلك الغلام لو بلغ لكان كافرًا. انتهى.
ثم لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي، المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول:"فأبواه يهودانه"فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه، محكوم له بحكم أبويه الكافرين، كما في"كشف الأسرار".
والمعنى: أي الزموا خلقة الله، التي خلق الناس عليها، فقد جعلهم بفطرتهم جانحين للتوحيد، وموقنين به، لكونه موافقًا لما يهدي إليه العقل، ويرشد إليه صحيح النظر، كما ورد في الحديث المتفق عليه، لأبي هريرة الذي سبق آنفًا.