فإن قلت: لم يُبعثْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعًا بدليل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} بل هو مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس وهم على ألسنة مختلفة ولغات شتى، وقوله: {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} وليس قومه سوى العرب يقتضي بظاهره أنه مبعوث إلى العرب خاصة، فكيف يمكن الجمع؟
قلتُ: بُعثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العرب وبلسانهم، والناس تبع للعرب، فكان مبعوثًا إلى جميع الخلق؛ لأنهم تبع للعرب، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - يبعث الرسل إلى الأطراف والنواحي، فيترجمون لهم بألسنتهم، ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن أرسل إلى الناس جميعًا ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة، فإرساله بلسان قومه أولى من إرساله بلسان غيره، لأنهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه لهم حتى يصير مفهومًا لهم كما فهموه، ولو نزل بلغات من أرسل إليهم وبينه لكل قوم بلسانهم ... لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحًا لباب التنازع؛ لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، وقد يفضي ذلك إلى التحريف والتصحيف بسبب الدَّعاوي الباطلة التي يقع فيها المتعصبون.
وقيل: يحتمل أنه أراد بـ {قَوْمِهِ} أهل بلده وفيهم العرب وغير العرب، فيدخل معهم من كان من غير جنسهم في عموم الدعوى. وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه، وكانت دعوته خاصة، وكان كتابه بلسان قومه .. وكان أقرب لفهمهم عنه، وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر عنهم علمه، وقامت التراجم ببيانه وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب واحدًا بلغة واحدة مع اختلاف الأمم وتباين اللغات .. كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم معانيه وتفهيم فوائده وغوامضه وأسراره وعلومه، وجميع حدوده وأحكامه.
قلتُ: هذا الإشكال لا يأتي من أول الأمر؛ لأن معنى الآية: وما أرسلنا قبلك يا محمد من رسول من الرسل الكرام قبلك إلى أمة من الأمم الذين قبل أمتك إلا بلغة قومه؛ ليبين لهم؛ لأن ذلك الرسول مرسل إلى قومه خاصة كما أشرنا إليه في الحل بخلاف رسالتك، فإنها عامة وأنت سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وأمتك خير الأمم وأفضلهم، فأردنا أن نجمع أمتك على كتاب واحد منزل بلسان هو سيد الألسنة وأشرفها وأفضلها إعطاء للأشرف الأشرف، وذلك هو اللسان العربي الذي هو لسان قومه، ولسان أهل الجنة، فكان سائر الألسنة تابعًا له كما أن الناس تابع للعرب انتهى.
وفي"الفتوحات": والأولى أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أيًّا كان، وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية؛ لأنه لم يتفق أنه خاطب أحدًا من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها، تأمل. انتهى.