فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 985

{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64)}

وتقديم السجود على القيام مع أنه مؤخر طبعًا لرعاية الفواصل، وليعلم أن القيام في الصلاة مقدّم مع أن السجدة أحق بالتقديم لما ورد:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، والكفرة يستكبرون عنها، حتى قال بعضهم: لا أفعلها لأني لا أحب أن تعلو رأسي أستيَ. والمعنى: والذين يكونون في الليل ساجدين لربهم على وجوههم، وقائمين على أقدامهم طلبًا لرضاه سبحانه؛ أي: يحيون الليل كلًا أو بعضًا بالصلاة، كما قال في حق المتقين: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) } .

وتخصيص البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أشقّ وأبعد من الرياء، وهو بيان لحالهم في معاملتهم مع ربهم، ووصف ليلهم بعد وصف نهارهم.

قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الأخيرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا وقائمًا.

وروى مسلم عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة".

فإن قلت: ما معنى هذا الحديث، فإنه يرفع مؤنة قيام الليل؟

قلت: هذا الحديث ترغيب في الجماعة، وبيان للرخصة وتأثير النية، فإن من نوى وقت العشاء أن يقيم الفجر بجماعة كان كمن انتظرها في المسجد، فرب همة عالية تسبق الأقدام، ولكن العمل مع النية أفضل من النية المجردة، والعزيمة فوق الرخصة.

ومن حرم قيام الليل كسلًا وفتورًا في العزيمة، أو تهاونًا بقلة الاعتداد بذلك، أو اغترارًا بحاله .. فليبك عليه، فقد قطع عليه طريق كثير من الخير، والذي يخل بقيام الليل كثرة الاهتمام بأمور الدنيا، وكثرة أشغال الدنيا، وإتعاب الجوارح، والامتلاء من الطعام، وكثرة الحديث واللهو واللغط، وإهمال القيلولة، والموفق من يغتنم وقته، ويعرف داءه ودواءه، ولا يهمل فيهمل، واعلم أن الأصل في كل عمل هو تحقيق النية وتصحيح الإخلاص، وجهنا الله وإياكم إلى وجهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت