فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 985

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)}

فإن قلت: فإذا كان الله قويًا عزيزًا غالبًا غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات، فما وجه انهزام المسلمين في بعض المغازي وقد وعدهم الله تعالى النصر؟

قلت: إن النصرة والغلبة منصب شريف، فلا يليق بحال الكافر، لكن الله تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار، وأخرى على المؤمنين؛ لأنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات، لحصل العلم الاضطراري، بأن الإيمان حق، وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف، والثواب، والعقاب.

فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان، وأخرى على أهل الكفر، لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل في صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله، ولأن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي.

فيكون تشديد المحنة عليه في الدنيا كفارة له في الدنيا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله، كالطاعون مثلًا. فإنه رحمة وطهرة للمؤمنين، ورجز - أي: عذاب - وغضب للكافرين.

روي: أنَّ عامرًا مرَّ برجل قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين، فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين فإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.

واعلم: أن الله تعالى يدفع في كل عمر مدبرًا بمقبل، ومبطلًا بمحق، وفرعونًا بموسى، ودجالًا بعيسى، وأبا جهل بمحمد، فلا تستبطئ ولا تتضجر.

والخلاصة: أن الله سبحانه لقوي على نصر من جاهد في سبيله من أهل طاعته، منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. ونحو الآية قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت