أراد عليه السلام، أن يبيّن لهم، أن من لا يتكلم، ولا يعلم، ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل، أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم، بما يوقعهم في الاعتراف، بأن الجمادات التي عبدوها، ليست بآلهة؛ لأنهم إذا قالوا: إنهم لا ينطقون، قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم، بما يقع عنده، في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام، من باب فرض الباطل مع الخصم، حتى تلزمه الحجة، ويعترف بالحق، فإن ذلك أقطع لشبهته، وأدفع لمكابرته.
وفي الحديث المتفق عليه:"لم يكذب إبراهيم النبي قط، إلّا ثلاث كذبات"سميت المعاريض كذبًا، لمَّا شابهت صورتها صورته، وإلّا فالكذب الصريح كبيرة، فالأنبياء معصومون منها.
فإن قلت: إذا كانت هذه معاريض، لم جعلها سببًا في تقاعده عن الشفاعة، حين يأتي الناس إليه، يوم القيامة؟
قلت: الذي يليق بمرتبة النبوة والخلة، أن يصدع بالحق، ويصرح بالأمر، ولكنه قد تنزّل إلى الرخصة، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
والتعريض: تورية الكلام عن الشيء بالشيء، وهو أن تشير بالكلام إلى
شيء، والغرض منه شيء آخر، فالغرض من قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} الإعلام بأن من لم يستطع دفع المضرة عن نفسه .. كيف يستطيع دفع المضرة عن غيره، فكيف يصلح إلهًا؟!