وفي"التأويلات النجمية": يشير إلى أن هذه الحياة التي يعيش بها المرء في الدنيا، بالنسبة إلى الحياة التي يعيش بها أهل الآخرة في الآخرة، وجوار الحق تعالى لهو ولعب، وإنما شبها باللهو واللعب لمعنيين:
أحدهما: أن أمر اللهو واللعب سريع الانقضاء، لا يداوم عليه؛ فالمعنى: أن الدنيا وزينتها، وشهواتها لظل زائل، لا يكون لها بقاء، فلا تصلح لاطمئنان القلب بها، والركون إليها.
والثاني: أن اللهو واللعب من شأن الصبيان والسفهاء، دون العقلاء وذوي الأحلام، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما أنا من ددٍ ولا الدد مني". والدد: اللهو واللعب، فالعاقل يصون نفسه منه. انتهى.
قال في"كشف الأسرار":
فإن قيل: لما سماها لهوًا ولعبًا، وقد خلقها لحكمةٍ ومصلحةٍ؟
قلنا: إنه سبحانه بني الخطاب على الأعم الأغلب، وذلك أن غرض أكثر الناس من الدنيا اللهو واللعب. انتهى.
وورد في الخبر النبويّ، حين سُئل عن الدنيا، فقال:"دنياك ما يشغلك عن ربك". قيل: الشر كله في بيت واحد، ومفتاحه حب الدنيا. وما أحسن من شبهها بخيال الظل حيث قال:
رَأَيْتُ خَيَالَ الظِّلِّ أَعْظَمَ عِبْرَةٍ ... لِمَنْ كَانَ فِيْ عِلْمِ الْحَقَائِقِ رَاقِيْ
شُخُوْصٌ وَأَصْوَاتٌ يُخَالِفُ بَعْضُهَا ... لِبَعْضٍ وَأَشْكَالٌ بِغَيْرِ وِفَاقٍ
تَمُرُّ وَتَقْضِي أَوْبَةً بَعْدَ أَوْبَةٍ ... وَتَفْنَى جَمِيْعًا وَالْمُحَرِّكُ بَاقِيْ
والمعنى: أي وما هذه الحياة الدنيا التي يتمتع بها هؤلاء المشركون، إلا شيء يتعلل به، ثم هو منقض عما قريب، لا بقاء له ولا دوام، ومن ثم قيل: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها، وأنشدوا:
تَرُوْحُ لَنَا الدُّنْيَا بِغَيْرِ الَّذِيْ غَدَتْ ... وَتَحْدُثُ مِنْ بَعْدِ الأمُوْرِ أُمُوْرُ
وَتَجْرِيْ الليَالي بِاجْتِمَاعٍ وَفِرْقَةٍ ... وَتَطْلُعُ فِيْهَا أَنْجُمٌ وَتَغُوْرُ
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الدَّهْرَ بَاقٍ سُرُوْرُهُ ... فَذَاكَ مُحَالٌ لَا يَدُوْمُ سُرُوْرُ
عَفَا الله عَمَّنْ صَيَّرَ الْهَمَّ وَاحِدًا ... وَأَيْقَنَ أنَّ الدَّائِرَاتِ تَدُوْرُ