أي: يسمع من كل أحد ما يقوله، ويقبله، ويصدقه، وهم يريدون بذلك أنه سليم القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع دون أن يتدبر فيه ويميز بين ما هو جدير بالقبول، لوجود أمارات الصدق فيه، وما لا ينبغي قبوله، وهذا عيب في الملوك والرؤساء، لما يترتب عليه من تقريب المنافقين وإبعاد الناصحين، وإنما قالوا ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعاملهم بأحكام الشريعة، كما يعامل عامة المؤمنين، بالبناء على الظاهر، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له.
وعدى فعل الإيمان بالباء إلى الله؛ لأنه قصد به التصديق بالله، الذي هو ضد الكفر به، وإلى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد به السماع من المؤمنين أخبارهم، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدقه لكونهم صادقين عنده، ألا ترى إلى قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} كيف ينبئ عن الباء.
{وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} ؛ أي: وهو - صلى الله عليه وسلم - رحمة للذين آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، إذ كان سبب هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لمن أظهر الإسلام وأسر الكفر نفاقًا، إذ هو نقمة عليه في الدارين.
وإنما قال (منكم) لأن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، فبيَّن الله سبحانه وتعالى كذبهم بقوله: إنه رحمة للمؤمنين المخلصين، لا للمنافقين، وقيل: في كونه - صلى الله عليه وسلم - رحمةً؛ لأنه يجري أحكام الناس على الظاهر، ولا ينقب عن أحوالهم، ولا يهتك أسرارهم.