{سِرَاجًا} ؛ أي: مصباحًا {مُنِيرًا} ؛ أي: مضيئًا في الظلام؛ أي: يستضاء به في ظلم الضلالة، كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. ففي الكلام تشبيه بليغ، وقال الزجاج: {وَسِرَاجًا} ؛ أي: ذا سراج منير؛ أي: كتاب نير، وفي"الخازن": سماه سراجًا منيرًا؛ لأنه جلا به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير. وقيل: معناه: أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار، ووصفه بالإنارة؛ لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه، ودقَّتْ فتيلته.
فإن قلت: لم سماه سراجًا، ولم يسمه شمسًا، والشمس أشد إضاءة من السراج وأنور؟
قلتُ: نور الشمس لا يمكن أن يؤخذ منه شيء، بخلاف نور السراج، فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة.
وعبارة"فتح الرحمن"هنا:
فإن قلت: كيف شبه الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالسراج، دون الشمس، مع أنها أتم؟
قلتُ: المراد بالسراج هنا: الشمس، كما قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} ، أو شبهه بالسراج؛ لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء، كما يتفرع من السراج سرج لا تحصى، بخلاف الشمس.
واعلم: أن الله سبحانه وتعالى شبَّه نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالسراج لوجوه:
منها: أنه يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدى بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية، كما يهتدى بالسراج المنير في الظلام إلى سمت المرام.
ومنها: أن السراج الواحد يوقد منه ألف سراج، ولا ينقص من نوره شيء.
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - يضيء من جميع الجهات الكونية إلى جميع العوالم، كما أنَّ السراج يضيء من كل جانب، وأيضًا: يضيء لأمته كلهم، كالسراج لجميع الجهات إلا من عمي، مثل: أبي جهل، ومن تبعه على صفته، فإنه لا يستضيء بنوره، ولا يراه حقيقة، كما قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} .
ومنها: أنه سماه سراجًا، ولم يسمه شمسًا، ولا قمرًا، ولا كوكبًا؛ لأنه لا يوجد يوم القيامة شمس ولا قمر ولا كوكب، ولأن الشمس والقمر لا ينقلان من موضع إلى موضع بخلاف السراج، ألا ترى أنه تعالى نقله - عليه السلام - من مكة إلى المدينة.