{مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا} ؛ أي: على ظهر الأرض ووجهها، والكناية راجعة إلى الأرض، وإن لم يسبق لها ذكر؛ لكونها مفهومة من المقام.
وقال أبو حيان: وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية في سورة النحل، وقال هناك: {عَلَيْهَا} ، وهنا قال: {عَلَى ظَهْرِهَا} ، والضمير عائد على الأرض، إلا أن هناك يدل عليه سياق الكلام، وهنا يمكن أن يعود على ملفوظ به، وهو قوبه: {فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} ، وقال هناك: {بِظُلْمِهِمْ} وقال هنا: {بِمَا كَسَبُوا} انتهى.
وفي"الجمل"وهنا قال: {عَلَى ظَهْرِهَا} استعارة من ظهر الدابة دلالة على التمكن والتقلب عليها، والمقام هنا يناسب ذلك؛ لأنه حث على السير للنظر والاعتبار، والله سبحانه وتعالى أعلم بأسرار كتابه.
فإن قيل: كيف يقال لما عليه الخلق وجه الأرض وظهر الأرض، مع أن الظهر مقابل الوجه، فهو من قبيل إطلاق الضدين على شيء واحد؟
قلتُ: صح ذلك باعتبارين: فإنه يقال لظاهرها: ظهر الأرض من حيث أن
الأرض كالدابة الحاملة الأثقال، ويقال له: وجه الأرض؛ لكون الظاهر منها كالوجه للحيوان، وأن غيره كالبطن، وهو الباطن منها اهـ"زاده".
{مِنْ دَابَّةٍ} ؛ أي: من نسمة تدب عليها كائنة ما كانت، سواء كانت من بني آدم؛ لأنهم المكلفون المجازون، ويعضده ما بعد الآية، أو من غيرهم أيضًا، فإن شؤم معاصي المكلفين يلحق الدواب في الصحارى، والطيور في الهواء بالقحط ونحوه، ولذا يقال من أذنب ذنبًا، فجميع الخلق - من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر - خصماؤه يوم القيامة، وقد أهلك الله في زمان نوح عليه السلام جميع الحيوانات إلا ما كان منها في السفينة، وذلك بشؤم المشركين وسببهم، وقال بعض الأئمة: ليس معناه أن البهيمة تؤخذ بذنب ابن آدم، ولكنها خلقت لابن آدم، فلا معنى لإبقائها بعد إفناء من خلقت له.