فإن قلت: ما الفائدة في تكرير هذه الآيات مرة ثانية؟
قلتُ: فيها فوائد:
منها: أنَّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر إغراقهم، فهذه تفسير للأولى.
الفائدة الثانية: أنَّه ذكر في الآية الأولى أنَّهم كفروا بآيات ربهم، وفي الآية الثانية أنَّهم كذَّبوا بآيات ربهم، ففي الآية الأولى إشارة إلى أنَّهم أنكروا آيات الله وجحدوها، وفي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها.
الفائدة الثالثة: أنَّ تكرار هذه القصة للتأكيد. وفي قوله: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} زيادة دلالةٍ على كفران النعم وجحود الحق، وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب اهـ. من"الخازن".
وفي"الفتوحات": كرره؛ لأن الأول إخبارٌ عن عذاب لم يمكِّن الله أحدًا من فعله، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم، والثاني إخبارٌ عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله، وهو الإهلاك والإغراق.
وقيل: غير ذلك.
وعبارة المراغي هنا: ولا تكرار؛ لأنَّ الدَّأب الأول في بيان كفرهم بجحد ما قامت عليه أدلة الرسل من وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة، وفي تعذيب الله إياهم في الآخرة، فهو دأبٌ وعادةٌ فيما يتعلَّق بحقه تعالى من حيث ذاته وصفاته، وفي الجزاء الدائم على الكفر به الذي يبتديء بالموت وينتهي بدخول النار.
والدَّأبُ الثاني: في تكذيبهم بآيات ربهم ونعمه، من حيث إنَّه هو المربي لهم، ويدخل في ذلك تكذيب الرسل وعنادهم وإيذاؤهم، وكفر النعم المتعلِّقة ببعثهم، وفي الجزاء على ذلك بتغيير حالهم وعذابهم في الدنيا.
وخلاصة ذلك: أنَّ ما دوَّنه التاريخ من دأب الأمم وعادتها في الكفر والتكذيب والظلم في الأرض ومن عقاب الله إياها .. جارٍ على سننه تعالى المطردة في الأمم، لا بسلب نعمة منهم، ولا بإيقاع أذىً بهم، وإنَّما عقابه لهم أثرٌ طبيعيٌّ لكفرهم وظلمهم لأنفسهم، وأما عذاب الاستئصال بعذاب سماوي .. فهو خاص بمن طلبوا الآيات من الرسل وأنذروهم العذاب إذا هم كفروا بها بعد مجيئها، ثم فعلوا ذلك.