فهرس الكتاب

الصفحة 870 من 985

{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(65)}

{لَئِنْ أَشْرَكْتَ} فرضًا، وإفراد الخطاب، باعتبار كل واحد من الأنبياء، كأنه قيل: أوحي إليك وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام، وهو: لئن أشركت {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ؛ أي: ليبطلن ثواب عملك، وإن كنت كريمًا علي. {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} في صفقتك، بسبب حبوط عملك، و {اللام} : الأولى: موطئة للقسم، والأخريان: للجواب، وهو كلام وارد على طريقة الفرض، لتهِييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟!

وعطف الخسران على الحبوط من عطف المسبب على السبب، قال التفتازاني: فالمخاطب هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعدم إشراكِه مقطوع به، لكن جيء بلفظ الماضي إبرازًا للإشراك في معرض الحاصل على سبيل الفرض والتقدير، تعريضًا لمن صدر عنهم الإشراك، بأنه قد حبطت أعمالهم، وكانوا من الخاسرين.

وقال في"كشف الأسرار": هذا خطاب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمراد به غيره، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: هذا أدب من الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، وتهديد لغيره؛ لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك، ومداهنة الكفار، قال في"فتح الرحمن": إن قلت: كيف قال ذلك مع أن الموحى إليهم جمع، ولما أوحى إلى من قبله لم يكن في الوحي إليهم خطابه؟ قلت: معناه: ولقد أوحي إلى كل واحد منك ومنهم: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} ، أو فيه إضمار نائب الفاعل، تقديره: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك التوحيد، ثم ابتدأ فقال: و {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} ، أو فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولقد أوحي إليك: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} وكذلك أوحي إلى الذين من قبلك اهـ"فتح الرحمن".

وقال الشوكاني: هذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل؛ لأن الله سبحانه قد عصمهم من الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه: التحذير والإنذار للعباد من الشرك؛ لأنه إذا كان موجبًا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض والتقدير .. فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد أوحي إليك: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك، قال مقاتل؛ أي: أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد: محذوف، ثم قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} يا محمد {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ، وهو خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة. انتهى.

وفي"التأويلات النجمية": يشير إلى أن الإنسان ولو كان نبيًا، لئن وكل إلى نفسه .. ليفتحن بمفتاح الشرك والرياء أبواب خزائن قهر الله على نفسه، وليحبطن عمله، بأن يلاحظ غير الله بنظر المحبة، ويثبت معه في الإبداع سواه.

ومعنى الآية: أي ولقد نزل عليك الوحي من ربك، بأنه إذا حصل منك إشراك به، بعبادة صنم أو وثن .. ليبطلنّ كل عمل لك من أعمال الخير، كصلة رحم وبر ببائس فقير، ولا تنالنَّ به ثوابًا ولا جزاءً، ولتكونن ممن خسروا حظوظهم في الدنيا والآخرة، وأوحي إلى الرسل من قبلك بمثل هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت