فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 985

{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(190)}

وجملة قوله: {فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ؛ أي: فترفع الله سبحانه وتعالى، وتنزه عن شركة ما يشرك به الكفار، من الأصنام والطواغيت، معطوفة على جملة قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} والتقدير: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، فتعالى عما يشركون، ويكون في قوله: {يُشْرِكُونَ} التفات وما بينهما، وهو قوله: {وَجَعَلَ مِنْها} إلى قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.

وفي «الكرخي» : هذه الجملة مسببة معطوفة على خلقكم؛ أي: وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلا، ويوضح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصة واحدة لقال: عما يشركان، كقوله: {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما} اه، ويؤيد هذا التأويل قراءة السلمي: {عما تشركون} بتاء الخطاب، التفاتا من الغيبة إلى الخطاب.

وقال بعض المفسرين: وقد نسب هذا الجعل إلى آدم وحواء، والمراد أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا.

وقال الحافظ ابن كثير: أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا التأويل، وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال: {فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم قال: فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. اهـ

وقال صاحب «الانتصاف» : إن المراد جنس الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى - والله أعلم: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى .. جرى من هذين الجنسين كيت كيت، وإنّما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأنّ المشركين منهم، كقوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) }

وقوله: {قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) } وقوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) } . اهـ

وقال صاحب «الكشاف» : إن المراد بالزوجين الجنس لا الفرد؛ أي: معينان، والغرض بيان حال البشر فيما طرأ عليهم من نزغات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله، والجنس يصدق ببعض أفراده.

وبهذا: تعلم أن ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من أن الآية في آدم وحواء، وما روي في حديث سمرة بن جندب مرفوعا: قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد - وذلك لأنّها ولدت قبل ذلك عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فأصابهم الموت - فقال لها: سميه عبد الحارث، فإنّه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان؛ أي:

وسوسته، ونحوه آثار كثيرة في هذه المعنى مفصلة ومطولة، فهو خرافة من دس الإسرائيليين، نقلت عن مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فلا يوثق بها؛ لأنّ فيها طعنا صريحا في آدم وحواء عليهما السلام، ورميا لهما بالشرك، ومن ثم رفضها كثير من المفسرين، وقال الحافظ ابن كثير: وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنّها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال:

«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» .

وأخبار أهل الكتاب ثلاثة أقسام:

فمنها: ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.

ومنها: ما علمنا كذبه بما دل الدليل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا.

ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» .

وهو لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت