وقد توجه ههنا سؤال واعتراض، وهو أن يقال: هل شك النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فيما أنزل عليه، أو في نبوته حتى يسأل أهل الكتاب عن ذلك؟ وإذا كان شاكًّا في نبوة نفسه كان غيره أولى بالشك منه؟
قلت: الجواب عن هذا السؤال، والاعتراض، ما قاله القاضي عياض: في كتابه"الشفاء"فإنه أورد هذا السؤال، ثم قال: احذر ثبت الله قلبك، أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين، عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فيما أوحى إليه فإنه من بشر. فمثل هذا لا يجوز عليه، - صلى الله عليه وسلم - جملة، بل قد قال ابن عباس: لم يشك النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ولم يسأل، ونحوه عن سعيد بن جبير، والحسن البصري، وحكي عن قتادة أنه قال: بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أشك ولا أسأل"وعامة المفسرين على هذا، تم كلام القاضي عياض رحمه الله. ثم اختلفوا في معنى الآية، ومن المخاطب بهذا الخطاب، على قولين:
أحدهما: أن الخطاب للنبي، - صلى الله عليه وسلم -، في الظاهر، والمراد به غيره، فهو كقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ومعلوم أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لم يشرك، فثبت أن المراد به غيره، ومن أمثلة العرب إياك أعني واسمعي يا جارة. فعلى هذا يكون معنى الآية: قل يا محمَّد: يا أيها الإنسان الشاك، إن كنت في شك مما أنزلنا إليك على لسان رسولنا محمَّد، - صلى الله عليه وسلم -، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب، يخبروك بصحته، ويدل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى في آخر هذه السورة: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} الآية. فبين أنَّ المذكور في هذه الآية، على سبيل الرمز، هو المذكور في تلك الآية على سبيل التصريح، وأيضًا لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - شاكًّا في نبوته .. لكان غيره أولى بالشك في نبوته، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية، معاذ الله من ذلك.
وقيل: إن الله سبحانه وتعالى علم أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لم يشك قط، فيكون المراد بهذا التهييج، فإنه، - صلى الله عليه وسلم -، إذا سمع هذا الكلام يقول: لا أشك يا رب، ولا أسأل أهل الكتاب، بل أكتفي بما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة.
وقال الزجاج: إن الله سبحانه وتعالى، خاطب الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، في قوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} وهو شامل للخلق فهو كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} وهذا وجه حسن، لكن فيه بعد، وهو أن يقال: متى كان الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، دخلًا في هذا الخطاب، كان الاعتراض موجودا، والسؤال واردًا.
وقيل: إن لفظة {إنْ} في قوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} للنفي، وما أنت في شك، مما أنزلنا إليك حتى تسأل، فلا تسأل، ولئن سألت لازددت يقينًا.
والقول الثاني: أن هذا الخطاب ليس هو للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ألبتة، ووجه هذا القول، أن الناس كانوا في زمنه على ثلاث فرق: فرقة له مصدقون وبه مؤمنون، وفرقة على الضد من ذلك، والفرقة الثالثة المتوقفون في أمره، الشاكون فيه، فخاطبهم الله عزّ وجلّ، بهذا الخطاب، فقال: تبارك وتعالى، فإن كنت أيها الإنسان، في شك مما أنزلنا إليك، من الهدى، على لسان محمَّد، - صلى الله عليه وسلم -، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله الضمير في قوله: {فَإِنْ كُنْتَ} وهو يريد الجمع؛ لأنه خطاب لجنس الإنسان، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) } لم يرد في الآية إنسانًا بعينه، بل أراد الجمع.
واختلفوا في المسؤول عنه في قوله: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} من هم. فقال المحققون من أهل التفسير: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه؛ لأنهم هم الموثوق بأخبارهم.
وقيل، المراد: كل أهل الكتاب، سواء مؤمنهم وكافرهم؛ لأن المقصود من هذا السؤال الإخبار بصحة نبوة محمَّد، - صلى الله عليه وسلم -، وإنه مكتوب، عندهم صفته ونعته فإذا أخبروا بذلك، فقد حصل المقصود، والأول أصح. وقال الضحاك يعني أهل التقوى، وأهل الإيمان, من أهل الكتاب، ممن أدرك النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ذكره في"الخازن".