فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 985

{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ...(114)}

وإنما قال: {فِي كَثِير} لأن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة، كالزراعة والتجارة مثلًا، فلا توصف بالشر، ولا مقصودة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي عنها الخير هي النجوى في شؤون الناس، ومن ثم استثنى منها الأشياء الثلاثة التي هي جماع الخير للناس. والكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر، ومن ثم خاطب الله المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} . والسر في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر أن العادة قد جرت بحب إظهار الخير، والتحدث به في الملأ، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر والنجوى، وفي الأثر:"الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس".

وقد استثنى الله سبحانه وتعالى من النجوى التي لا خير في أكثرها أمورًا ثلاثة؛ لأن خيريتها أو كمالها تتوقف على الكتمان، وجعل التعاون عليها سرًّا والحديث فيها نجوى.

فالصدقة وهي من الخير قد يؤذي إظهارها المتصدَّق عليه، ويضع من كرامته، ومن ثم قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وقد يكون الجهر بالأمر بها والحث عليها أشد إيذاء وإهانة من إيتاءه إياها جهرًا، ولو مع الإخلاص وابتغاء مرضاة الله تعالى.

وكذلك الأمر بالمعروف على مسمع من الناس، فكثيرًا ما يستاء منه المأمور به، ولا سيما إذا كان الآمر من أقرانه، لأنه يرى في أمره إياه استعلاء عليه بالعلم والفضل، واتهامًا له بالتقصير أو الجهل، فمن ثم كانت النجوى به أبعد عن الإيذاء، ومثله الإصلاح بين الناس، فإنه ربما ترتب على إظهاره والتحدث به كثير من الشر، ألا ترى أن بعض الناس إذا علم أن ما يطالَب به من الصلح كان بأمر فلان من الناس .. لا يستجيب ولا يقبل، أو يصده عن الرضا به ذكره بين الناس، وعلمه بأنه كان بسعي وتواطؤ. أخرج البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة خير لك من حمر النعم"، فقال: بلى يا رسول الله، قال:"تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا"، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصدقة إصلاح ذات البين"، وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"، قالوا بلى يا رسول الله، قال:"إصلاح ذات البين، وأن فساد ذات البين هي الحالقة"أخرجه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال"هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدِّين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت