فإن قلت: تعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غافلًا وهو أعلم الناس به أنه لم يكن غافلًا حتى قيل له: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} ؟
قلتُ: إذا كان المخاطب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففيه وجهان:
أحدهما: التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلًا، فهو كقوله: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} وكقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} ؛ أي: اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان.
الوجه الثاني: أن المراد بالنهي عن حسبانه غافلًا: الإعلام بأنه سبحانه وتعالى عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه شيء، وأنه ينتقم منهم فهو على سبيل الوعيد والتهديد لهم.
والمعنى: ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عنهم، ولكن يعاملهم معالمة الرقيب الحفيظ عليهم، والمحاسب لهم على الصغير والكبير، والنقير والقطمير. وفي الآية وعند كظيم للظالمين وتسلية للمظلومين، وإن كان المخاطب غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا إشكال فيه ولا سؤال؛ لأن أكثر الناس غير عارفين بصفات الله، فمن جوز أن يحسبه غافلًا فلجهله بصفاته.
والخلاصة على الوجه الأول: ولا تحسبن الله يا محمد غافلًا عما يعمل الظالمون؛ أي: تاركًا عقوبة المشركين بما عملوا، والمراد تثبته - صلى الله عليه وسلم - على ما كان عليه من أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يحسب الله غافلًا، والمقصود: تنبيهه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم .. للزم عليه تعالى أحد الأمور الثلاثة: إما أن يكون غافلًا عن ذلك الظالم، أو عاجزًا عن الانتقام، أو راضيًا بذلك الظلم، وكل ذلك محال عليه تعالى، فامتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم.