فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 985

{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ...(67)}

فإن قلت: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد - وقد أوذي بضروب من الأذى - فكيف يجمع بين ذلك وبين قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ؟

قلت: المراد منه أنَّه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل، ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر أنَّه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد، فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة فعلق بها سيفه، ونمنا معه نومة، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتًا فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله، ثلاثًا ولم يعاقبه وجلس.

وفي رواية أخرى قال جابر: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء رجل من المشركين - وسيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلق بالشجرة - فاخترطه فقال: تخافني؟ فقال:"لا"، فقال: من يمنعك مني؟ قال:"الله"، فتهدده أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه الشيخان في"الصحيحين"، وزاد البخاري في رواية له إن اسم ذلك الرجل كورث بن الحارث.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدمه المدينة ليلة فقال:"ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة"، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح، فقال:"من هذا"؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما جاء بك"؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نام، متفق عليه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرس ليلًا حتى نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من القبة، فقال:"أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله". أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب.

وقيل: وفي الجواب عن هذا: إن هذه الآية نزلت بعد ما شجّ رأسه في يوم أحد, لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا. وقد وضعت هذه الآية - وهي مكية - في سياق تبليغ أهل الكتاب وهو مدني، لتدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عرضةً لإيذائهم أيضًا، وأن الله تعالى عصمه من كيدهم، ولتذكر بما كان من إيذاء مشركي قومه من قبلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت