كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وهذا الكلام يفسر على معنيين
أحدهما أن العبد إذا رأى ما قدره الله له قد سبق به تقديره فهو واصل إليه لا محالة ولا بد أن يناله سكن جأشه واطمأن قلبه ووطن نفسه وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وأنه ما يفتح الله له وللناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده فإذا تيقن ذلك وذاق طعم الإيمان به قطع ذلك عليه طريق الطلب من ربه لأن ما سبق له به القدر كائن واصل لا محالة
ثم استدرك الشيخ أن العبد لا بد له من سؤال ربه والطلب منه فقال
إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يحذره فإن القدر السابق قد استقر بوصول المقدور إليه سأله أو لم يسأله يسأله ولاكن يكون سؤاله على وجه التذلل وإظهار فقر العبودية وذلها بين يدي عز الربوبية فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد ولا توسط سؤاله وطلبه بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد ثم أمره بسؤاله والطلب منه إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة واعترافا بعز الربوبية وكمال غنى الرب وتفرده بالفضل والإحسان وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا ولكن ربه تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه ويطلب منه كما قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون وقال واسألوا الله من فضله وقال قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم