من كلامه وسياقه إنما يدل عليه ولهذا قال بعد ذلك أو تطيقه إشارة أي لا تقدر على إفهامه وإظهاره إشارة فتنهض الإشارة بكشفه
ثم قال أو يشمله رسم يعني أو تناله عبارة
فذكر الشيخ خمس مراتب الأولى مرتبة حمل العلم له الثانية مرتبة إظهار الوجد له الثالثة مرتبة قيام الرسم به الرابعة مرتبة إطاقة الإشارة له الخامسة مرتبة شمول العبارة له
ومقصوده أن موجود العارف أخفى وأدق من موجود غيره فهو غريب بالنسبة إلى موجود سواه وأخبر أن موجوده في هذه المراتب غريب فكيف بموجوده الذي لا يحمله علم ولا يظهره وجد ولا يقوم به رسم ولا تطيقه إشارة ولا تشمله عبارة فهذا أشد غربة
قوله فغربة العارف غربة الغربة والغربة أن يكون الإنسان بين أبناء جنسه غريبا مع أن له نسبا فيهم
وأما غربة المعرفة فلا يبقى معها نسبة بينه وبين أبناء جنسه إلا بوجه بعيد لأنه في شأن والناس في شأن آخر فغربته غربة الغربة
وأيضا فالصالحون غرباء في الناس والزاهدون غرباء في الصالحين والعارفون غرباء في الزاهدين
قوله لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة
يعني أن أبناء الدنيا لا يعرفونه لأنه ليس منهم وأهل الآخرة العباد الزهاد لا يعرفونه لأن شأنه وراء شأنهم همتهم متعلقة بالعبادة وهمته متعلقة بالمعبود مع قيامه بالعبادة فهو يرى الناس والناس لا يرونه كما قيل
تسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني