الأمر بين النار وبين الهواء والتراب والخشب وانضم إلى ذلك أن العبد ليس بفاعل أصلا وإنما هو منفعل محض ومحل جريان تصاريف الأحكام عليه وأن الفاعل فيه سواه والمحرك له غيره وإذا قيل إنه فاعل أو متحرك فهو تلبيس
فهذه الأصول أوجبت هذا التلبيس على نفاة الحكم والأسباب وقابلهم آخرون فمزقوا لحومهم كل ممزق وفروا أديمهم وقالوا عطلتم الشرائع والثواب والعقاب وأبطلتم حقيقة الأمر والنهي فإن مبنى ذلك على أن العباد فاعلون حقيقة وأن أفعالهم منسوبة إليهم على الحقيقة وأن قدرهم وإرادتهم ودواعيهم مؤثرة في أفعالهم وأفعالهم واقعة بحسب دواعيهم وإرادتهم على ذلك قامت الشرائع والنبوات والثواب والعقاب والحدود والزواجر فطرة الله التي فطر الناس عليها والحيوان وسويتم بين ما فرق الله بينه فإن الله سبحانه ما سوى بين حركة المختار وحركة من تحرك قسرا بغير إرادة منه أبدا ولا سوى بين حركات الأشجار وحركات بني آدم ولا جعل الله سبحانه أفعال عباده وطاعتهم ومعاصيهم أفعالا له بل نسبها إليهم حقيقة وأخبر أنه هو الذي جعلهم فاعلين كما قال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وقال وقال وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وقال سادات العارفين به ربنا واجعلنا مسلمين لك وقال إبراهيم خليله رب اجعلني مقيم الصلاة فهو الذي جعل العبد كذلك والعبد هو الذي صلى وصام وأسلم وهو الفاعل حقيقة يجعل الله له فاعلا وهو السائر بتيسير الله له كما قال تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر فهذا فعله والسير فعلهم والإقامة فعله والقيام فعلهم والإنطاق فعله والنطق فعلهم فكيف تجعل نسبة الأفعال إلى محالها القائمة بها وأسبابها المظهرة لها تلبيسا