قوله فيكون شاهدا سبق الحق بعلمه وحكمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها
ليس الشهود ههنا متعلقا بمجرد أزلية الرب تعالى وتقدمه على كل شيء فقط بل متعلق بسبق العلم والتقدير فيرى الأشياء بعين سوابقها وقد تقررت هناك في علم الرب وتقديره فينظر إليها هناك إذا نظر الناس إليها هنا فيتجاوز نظره نظرهم فيغلب شهود السوابق على ملاحظة اللواحق فيشهد تفرد الرب وحده حيث لا موجود سواه وقد علم الكائنات وقدر مقاديرها ووقت مواقيتها وقررها على مقتضى علمه وحكمته وقد سبق العلم المعلوم والقدر المقدور والإرادة المراد فيرى الأشياء كلها ثابتة في علم الله سبحانه وحكمته قبل وجود العوالم فأي وسيلة يشهد هناك وأي سبب وأي دليل هذا الذي يدندنن الشيخ حوله وقد عرفت أن العلم والحكم سبق بوجود المسببات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلتها كما سبق العلم والحكم بوجود الولد عن أبويه والمطر عن السحاب والنبات عن الماء والإزهاق عن القتل وأسباب الموت فهذه هي المشاهدة الصحيحة لا إسقاط الأسباب والوسائل والأدلة
قوله ووضع الأشياء مواضعها وتعليقها بأحايينها وإخفائها في رسومها هذه ثلاثة أشياء المكان والزمان والمادة التي لا بد لكل مخلوق منها فإن المخلوق لا بد له من زمان يوجد فيه ومكان يستقر فيه ومادة يوجد بها فاشار إلى الثلاثة فالمواضع الأمكنة والأحايين الأزمنة والرسوم المواد الحاملة لها والرسوم هي الصورة الخلقية
وكأن شيخ الإسلام أراد بها هنا الأسباب وأن الله سبحانه غطى حقائق الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلق المسببات بأسبابها فنسبوها إليها فصاحب هذه الدرجة يشهد كيف أظهر الرب سبحانه الأشياء في موادها وصورها